صدقيـة استطلاعـات الـرأي أو إمكانيــة الرقــم والحــوار
جـواد عـدره
"الدولية للمعلومات" "Information International"
I. البيئة
لا يمكننا الإجابة عن سؤال صدقية استطلاعات الرأي في لبنان ما لم نعالج موضوع الرقم والرأي، والرأي الآخر، ومدى التزام الباحث بالأصول المهنية، إضافة إلى تقبّل النتائج حتى عندما لا تنسجم مع القناعات أو التوقعات المتعلقة بعمليات الإحصاء والاستطلاع. وقد اعتدنا أن نستبدل وصف هذه العملية بكلمة "حوار"، فنحن في لبنان اليوم، على سبيل المثال، في "حالة حوار"، ليس حول مَن نحن؟ وأين نحن؟ وإلى أين نتجه؟ وعلى ماذا نختلف؟ بل في حوارٍ (كذا).
وقد غاب عن بالنا أن الحوار يفترض المعرفة، وإلا فهو حوار عقيم لا ينتج شيئاً، بل ينتج النفاق والشقاق. ولكن هل المعرفة في أجوائنا ممكنة؟
وقد انتقلنا في عالمنا من الكلمة الأصل، والرقم الواضح، وعلوم الفلك والجبر والكيمياء والطب والاجتماع، إلى علم الكلام عن الحوار، وإلى معرفةٍ منفصمةٍ عن الممارسة، ثم إلى مرحلةٍ ثالثة اعتبرناها متقدّمة، هي مرحلة "النقد الذاتي".
وكلُّ هذه الحالات تنتظم في إطارٍ واحدٍ عنوانه تضييع الوقت، وهدر القدرات، والمراوحة في التردّي. ولن نخرج منها ما لم نتعلّم البوح بالحقيقة ــ حقيقة الرقم ــ والقبول بها برحابة صدر وامتنان. وعلينا أن نتعلّم ذلك جميعاً: باحثين، ومواطنين، ورجال أعمال، وسياسيين.
II. دور المثقف أو الباحث
شهدت العلاقة بين المثقف والحاكم تحوّلاتٍ جذرية، إذ بدأت بوصفها حاجةً أساسيةً للطرفين. فقد أدرك السلطان، بحسب ابن الفرات، «أن أمره مخرقة، فإذا استوت بالكتابة أصبحت سياسة»، كما أدرك المثقف دور الفكر في رسم السياسات وتوجيهها. وقد قال ابن خلدون: «إن الكتابة آلة السلطان».
غير أن المثقف أقنع نفسه، تحت وطأة القمع والحاجة، بأنه لا أمل في التغيير، وأن الشعب هو المسؤول عمّا آلت إليه الأحوال، وأن ما عليه إلا تلبية دعوة السلطان إلى الديوان ومائدة الطعام. وقد قيل إن «الجدال على مائدة الطعام أثبت أن من يشبع أولاً هو من يفوز في الجدال». وهكذا يعود المثقفون من زياراتهم للحاكم ليخبرونا أنهم اقتنعوا بما قيل لهم، أو أنهم نجحوا في إقناعه.
III. أهمية استطلاعات الرأي
تُشكّل ثقافة استطلاع الرأي جزءاً أساسياً من ثقافة المجتمعات والدول المتقدّمة. فالمواطن أو المستهلك يُدلي برأيه بكل صراحة، لإدراكه أن رأيه مهم، وأنه قد يساهم في تغيير ما يشكو منه. فالرأي يتحوّل إلى رقمٍ ونسبةٍ تُترجمان إلى أفعال وتغييرات في السلوك والأداء والنهج. لذلك، يُعدّ استطلاع الرأي عنصراً أساسياً في عملية اتخاذ القرار في القطاعين العام والخاص.
أما في لبنان، فتختلف الصورة. إذ لا تحظى استطلاعات الرأي بالمكانة التي يُفترض أن تحتلها، بل تبقى مجرّد أرقام ونسب لا قيمة لها إلا في سجلات التاريخ أو في إطار المناكفات والسجالات، من دون أن تتحوّل إلى أداة فاعلة في صناعة القرار أو تصويب السياسات العامة.
وقد يردّ البعض بأن عدم أهمية استطلاعات الرأي يعود إلى افتقارها للمصداقية، إذ تُوضع الأرقام والنِّسب أحياناً لتبرير هذا الفعل أو ذاك، أو لتغليب شعبية زعيم أو مسؤول على آخر، أو لتفضيل وسيلة أو سلعة على أخرى. وهكذا تصبح المسألة أشبه بممارسةٍ تخدم المصالح الشخصية، بعيداً عن المصداقية العلمية.
وهذا القول صحيح في بعض وجوهه، الأمر الذي يفرض على المؤسسات التي تنفّذ استطلاعات الرأي، سواء كانت سياسية أم تسويقية أم ترويجية، أن تتوافق فيما بينها على ميثاق شرف يلتزم المعايير العلمية والشفافية في العمل، بحيث تُورَد النتائج والنِّسب كما هي، من دون تعديل أو تحوير. كما ينبغي ألّا تكون هذه المؤسسات مرتبطة، في ملكيتها أو في توجهاتها وميولها، بمصالح سياسية أو اقتصادية معيّنة قد تؤثر في موضوعيتها واستقلاليتها.
IV. هل الرقم ممكن؟ انجاز العمل والصعوبات
من المعروف أن لبنان لم يُجرِ أي إحصاءٍ للسكان منذ عام 1932، وبالتالي فإن الأرقام المتداولة عن عدد السكان هي أرقام تقريبية. واستناداً إلى بعض التقديرات، التي أصبحت اليوم قديمة إذ تعود إلى عام 1997، فإن 32.5% من السكان يتركزون في بيروت وضاحيتها، في حين ترفع تقديرات أخرى هذه النسبة إلى ما بين 40% و50% أو 60%. فأين هي الحقيقة؟
تنوّع الانتماءات الطائفةية للمستطلعين الذين ينتمون إلى 18 طائفة.
تداخل العامل العائلي والعشائري مع العامل الطائفي والعامل الجغرافي، ليشكّل عاملاً جديداً قد يكون أحياناً عصيّاً على الكشف والبيان.
هناك أيضاً ردّات الفعل على الاستطلاعات. فبمجرد طرح رقمٍ مدعَّمٍ بالبحث العلمي تبدأ الهمهمات: هل أنت مع فلان أم ضد فلان؟ فأنت مُصنَّف، حتى وإن أنصفت. وعندها يصبح رقمك مشبوهاً، في أحسن الأحوال، بحجة أن هناك رقماً آخر في صحيفة أخرى أو في استطلاع آخر يناقض أرقامك. أما صاحبه، ومن عندياته، فهو حرّ.
وفي معظم الأحوال، يكون الدليل أن جدّك كان خصماً لجدّ فلان، أو أن ما تقوله قد يكون صحيحاً، لكن توقيته خاطئ. فكل شيء مطروح للنقاش إلا الموضوع ذاته والأرقام ذاتها.
فلماذا لا نتحاور حول الرقم نفسه؟ لماذا لا نطرح الأسس التي أوصلتنا إليه، فنبرهنه أو ننقضه؟ أليس ذلك هو جوهر العلم؟
هنا ندخل في ثلاث إشكاليات:
الأولى: «إن الأرقام لا تكذب، لكن الكاذبين يُرقِّمون». أي دور العامل الشخصي أو العاطفي، وهو يحتمل الخطأ المقصود كما يحتمل حسن النية. وهكذا يُستخدم الرقم لإظهار نصف الحقيقة وتغييب نصفها الآخر.
الثانية: هناك من يعتقد، ولأسباب تبدو وجيهة، أن عدم معرفة الحقيقة أفضل من معرفتها.
الثالثة: «إن الحقيقة في عالمنا لا تُحرِّرك، بل تُصلبك». وقليلون، بل نادرون، هم الذين يؤمنون بأنهم يتحررون بعذاباتهم، ويُحرِّرون غيرهم.
ويبقى السؤال: كيف يتعامل الباحث مع الإجابات التي قد تأتي مخالفةً لما هو شائع ومتداول، أو لما أصبح من المسلّمات؟ وهذا ما يضعه في مأزق حقيقي: هل يقبل النتائج، واضعاً نفسه في مواجهة الجميع وما هو سائد؟ أم يرفضها ويقوم بـ«ضبطها»، فيفقد مصداقيته؟
وقد يصل الباحث إلى نتائج أو مواقف قد يعتبرها البعض مسيئةً إلى لبنان وصورته، فماذا يكون موقفه عندئذٍ؟
تُجرى دراسة جدوى لمشروعٍ معيّن، فتأتي نتائجها سلبية، فيغضب صاحب العمل ويرفض تسديد الأتعاب. ويعتقد أحد النواب أن الغالبية الساحقة من المسيحيين، على سبيل المثال، ترغب في الحفاظ على طائفية المقاعد، بينما تُظهر استطلاعاتنا أن نحو نصفهم يؤيد إلغاءها.
V. الاتقان وواجبات الباحث
السؤال، إذاً، هو: هل نحن مهيّأون نفسياً لتقبّل الحقيقة، وقبول الرأي الآخر، والحوار الهادئ؟ وما مدى مصداقيتنا، نحن كأفراد كلٌّ في حقله، وكمجتمع في قيمه وممارساته؟
وهناك أمور لا بد أن تكون واضحة للقارئ. أولها المنهجية المعتمدة في البحث، وكيفية اختيار العينة ومواصفاتها، وعلى الباحث أن يشرح ذلك بوضوح. وثانيها الصعوبات التي واجهت القائمين على الاستطلاع. وثالثها نسبة الخطأ المحتملة. ورابعها التحفظات التي يبديها الباحث على بحثه ونتائجه.
إن الأبحاث التي لا تشير إلى هذه العناصر تُعدّ أبحاثاً منقوصة. ولا بد من الإشارة إلى أن استطلاعات الرأي التي تعلنها بعض البرامج التلفزيونية أثناء بثّها ليست استطلاعات علمية بالمعنى الدقيق للكلمة. فشبكة CNN، التي تتشبّه بها بعض قنواتنا، تعلن صراحةً أن ما تقوم به هو «استطلاع غير علمي»، في حين سهت قنواتنا عن تقديم الإيضاح ذاته.
أما تجرّد الباحث ونزاهته والتزامه الأصول المهنية، فهي من البديهيات، والتركيز على هذا الأمر يشبه القول إن الشمس تشرق من الشرق. وإن كنّا نعاني من مشكلة في هذا المجال، فإن أسبابها تتجاوز مهنة الإحصاء لتلامس مختلف نشاطات المجتمع. فهل يقوم الميكانيكي بعمله بإتقان؟ وهل يفعل ذلك المحامي، والنجار، والأستاذ، والطبيب، والنائب، والسائق؟
لذلك، أشدّد على أهمية حسن الأداء والمصداقية، لأن القارئ، أو المستهلك، قادر في معظم الأحيان على التمييز بين العمل المتقن والعمل الرديء.
وراء الرقم
ولعلّ الأخطر من التلاعب بالأرقام هو الاعتقاد بأن الرقم مقدّسٌ بذاته، من دون اعتبارٍ للعوامل الأخرى. فمثلاً، إن سياسة نيكسون وكيسنجر، القائمة على زيادة عدد القنابل في فييتنام بهدف إضعاف الفيتكونغ، أعطت نتائج عكسية، وقد تلاقي سياسات الولايات المتحدة اليوم النتيجة نفسها. فالأرقام قد تكون صحيحة، لكن المعادلات قد تكون خاطئة.
فالصحيفة الفلانية هي الأكثر توزيعاً، والقناة الفلانية هي الأكثر مشاهدة، والبرنامج الفلاني هو الأول، والإعلان الفلاني هو الأشد تأثيراً. ومن المهم جداً أن تكون أرقامنا هنا صحيحة وغير متحيّزة، لكن الأهم أن نطرح السؤال التالي:
هل تعكس هذه الأرقام الحقيقة بالمطلق، أي المعرفة؟ هنا ندخل أفقاً آخر، هو الأفق الإنساني البعيد، حيث لا تشتعل المادة وحدها، ولا يكون الربح في سبيل الربح هو الغاية.
ويتندّر العاملون في حقول الإحصاء بقول مارك توين الشهير: «هناك أكاذيب، ثم أكاذيب شيطانية، ثم إحصاءات...». لكن الحقيقة تبقى أن «مسارات الجودة تقود إلى الحلول".
وبعد ثلاثين عاماً من العمل، وآلاف استطلاعات الرأي التي نفّذتها الدولية للمعلومات، وشملت العديد من المواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تشغل الرأي العام، أستطيع أن أؤكد لكم أننا قمنا، وما زلنا نقوم، بعملنا بإتقان، أي بصدق ومهنية وأمانة.
فلم نقف على باب سياسي أو متموّل، ولم نتلاعب برقم، ولم نسعَ وراء غاية أو مصلحة، ولا إلى الإدانة أو الإشادة، بل كانت الحقيقة هدفنا وقصدنا.
وفي وقتٍ يطرح فيه العلماء أسئلة كبرى حول أصل الكون وبدايته ونهايته: هل له بداية؟ وهل له نهاية؟ ننشغل نحن بمناقشة البديهيات، ونتصارع حول الصغائر، عشائر وطوائف، في الرقم، وفي الفكر، وفي السياسة، وفي الحلم.
ولن ننهض ما لم نعد إلى عمق ثقافتنا الإنسانية والعربية، ونفتح عقولنا على العالم، بشراً وأرضاً، فنتناغم مع الخسوف والكسوف، والمدّ والجزر، والليل والنهار، ومع الشعوب كلها، في رقصة كونية على أنغام المعرفة والمحبة.
اترك تعليقا