رسائل إلى صديق هناك (4)  'كلن يعني كلن' = 'أنا يعني أنا'

رسائل إلى صديق هناك (4)

"كلن يعني كلن" = "أنا يعني أنا"

بقلم جـــــــواد نــــــديم عـــدره

جريدة النهار - 20 شباط 2021

الصديق العزيز،

أنت تأخرت في الإجابة من أميركا وأنا غرقت في غربتي في لبنان، تقول لي أنّك ازددت شوقاً وحبّاً للبنان خاصة بعد الذي حدث في واشنطن واقتحام "الكابيتول" من قبل متطرفين يمينيين. تقول أنّ لبنان ليس متخلّفاً كما كنّا نظن وأنّ فيه إمكانيات، وإذا كانت أميركا بعظمة مؤسساتها تواجه صعوبات فكيف بنا ونحن دون مؤسسات وفي غياب لدولة القانون والمواطن؟

نعم، نحن أفضل ممّا نظن وممّا يعتقدون. "قتلتنا الردّة أنّ الواحد منّا يحمل في الداخل ضده" كما يقول الشاعر مظفّر النواب المريض وحيداً وبعيداً عن عراقه الذي أحبّ. نتساءل سوية عن صديقنا "المسلم" الذي تنصرن وأصبح ناسكاً في عزلته، كيف تجاوز ذاته وقرر أن "الحركة الوطنية" ليست وطنية وأنّ عرفات "كتائبياً فلسطينياً" فما الضرر إن أصبح هو "كتائبياً لبنانياً"؟ وحيد هو الآن لا يقرأ الصحف ولا يشاهد الشاشات ولا يكره أحداً ويقول أنّه اكتشف أنّ لا فرق بين الإسلام والمسيحية والبوذية. كونيٌّ هو في عزلته.

لنحرّضه على الخروج من هذه العزلة ليروي للناس تجربته. هو لا يصدّق أنّهم يريدون تكرار ما حدث في بداية الحرب في العام 1975 من شعارات طنّانة وخطابات كراهية وتخوين. يقول: "كنا مسلمين ومسيحيين ولبنانيين وفلسطينيين ويسار ويمين آنذاك فكيف أصبحنا اليوم شيعة وسنة وموارنة ودروز و..؟ لا ليس هذا بل مجرد أتباع لزعماء أشرفوا على إفلاس البلد وهدر مقدرات الناس؟"

أحاول أن أشرح له أنّنا في وضع أسوأ. السؤال اليوم: هل نحن مجتمع؟ المجتمع هو مجموعة من الأشخاص المشاركين مع بعضهم البعض من خلال العلاقات المثمرة في نفس المنطقة الجغرافية ويخضعون لنفس السلطة السياسية ولديهم توقعات اجتماعية متجانسة ويساهمون في أخذ القرارات التي تنظّم حياتهم ويشتركون في تنفيذها. هل تنطبق هذه القاعدة علينا؟ طبعاً لا، إذاً نحن لسنا مجتمعاً.

كنّا نعلم ذلك منذ الصغر ولذلك كنّا نحلم بأنّنا سنكون مجتمعاً ووطناً في يوم من الأيام ولكن الأمور أصبحت أشدّ صعوبة اليوم.

نعرف أنّ لبنان 1943 انتهى وكذلك لبنان الطائف والدوحة ونعرف أيضاً أنّ القوى السياسية مأزومة وعاجزة وأنّ ما سمي خطأً "ثورة" كانت مشاعر جيّاشة وقلوب غاضبة تفتش عن لبنان ما ولكن الردّة غلبتهم أيضاً، بل "الأنا" التي أبت إلاّ أن تبرز عبر الشاشات ووسائل التواصل ظناً بأنّ "كلن يعني كلن"= "أنا يعني أنا" وإذ ببرنامج الثورة يغدو غير ما نريده.

نحن بحاجة لثورة اليوم، ثورة ثقافية أولاً تبدأ بأسئلة جوهرية. لماذا لسنا مجتمعاً؟ ولا حتى متحدات اجتماعية؟ ما هي الأسباب الجوهرية التي أوصلتنا إلى هنا؟ أي نظام نريد؟ أي لبنان نريد؟ هل لو عرضنا تشكيل الحكومة اليوم في مناقصة عالمية لمن يدفع أكثر هل سنحصل على 100 مليار دولار؟ 20 مليار دولار؟ قلتَ لي حتى ولا 10 مليار دولار؟ اذاً هذا هو سعرنا؟

علينا أن نعلم أنّ لبنان ليس مركز العالم وأنّ العالم غير ملزم بمساعدتنا وأنّ علينا أن لا نستعطي المساعدة من أحد. الثورة الثقافية تحتّم علينا الاتفاق على تشخيص مشاكلنا ووضع الحلول عبر "مانيفستو" فكري- سياسي- اقتصادي تربوي يعيد النظر بكل ما نحن عليه من أنظمة ونظم تربوية وسياسية واقتصادية وسلوكيات وقناعات واهية بحيث يصبح الشعار "نحنا يعني نحنا" فيكون هناك برنامج وقادة.

في العام 1970 كتب زبغنيو برجينسكي (مفكر ومستشار سابق للأمن القومي الأميركي 1977-1981) عن المجتمع التكنوترانيك Technotranic وقال فيه: "في مجتمع الــــ Technotranic يبدو أنّ الاتجاه هو نحو تجميع الدعم الفردي لملايين المواطنين غير المنسّقين فيما بينهم وذلك بسهولة ليصبحوا في متناول شخصيات جذابة ومغناطيسية (أو سلع) وذلك عبر الاستخدام الفعّال لأحدث تقنيات الاتصال للتلاعب بالعواطف والتحكم بالعقل".

ويقول أيضاً: "قد يكون من الممكن والمغري استغلال ثمار البحث عن الدماغ والسلوك البشري لأغراض استراتيجية وسياسية".

أين نحن الثائرون على النظام والمنظومة من هذا؟ بدلاً من اعتبار وسائل التواصل أدوات مفيدة و"استثمارها سياسياً واستراتيجياً" حوّلناها الى أدوات تبثّ الكراهية والشتيمة وتحوّل بعض اساتذة الجامعات والكتبة الى شتّامات وشتّامين.

وهكذا نرى المفكّر والكاتب يلهث وراء التفاهة تحت حجّة "الجمهور عايز كده".

على من يريد الثورة الحقيقية الآن البدء بنقد المسيرة على الأقل من 17 تشرين الأول حتى لا نعود إلى الزمن البعيد.

عليك أنت أن تكتب لنا عن تجربتك من اليساري الثائر في بيروت إلى الرأسمالي المفتخر والمشتاق في واشنطن. وليكتب صديقنا الناسك عن رحلته من الإسلام إلى المسيحية إلى البوذية. وعندها سيكتشف اللبنانيون أنّهم أفضل مما يروى عنهم وأنّ العبارات الهدّامة في وسائل التواصل لا تمثّل إلاّ نحو بضعة عشرات الآلاف من اللبنانيين المشاركين في منصات وسائل التواصل وأنّ هناك مئات الآلاف من الاصوات الصامتة المنتظرة من ينير الطريق ويرفع مستوى الحوار والتحدي.

مقدرات الناس هُدرت، ماضي الناس وحاضرهم ومستقبلهم دُمّر. مرفأهم ومنازلهم حُطّمت وفقدوا أحباءهم ويعيشون الوجع يومياً فماذا نقول لهم؟ ليشتموا إن شاؤوا وليتظاهروا وليعبّروا عن غضبهم ولكن واجبنا نحن قادة الرأي أن نقود لا أن نلهث وننحدر. أَخبِرْهُم أنّ بعض اليسار الثائر كانت عينه على سيارة الجيران في العام 1975 وليخبرنا صديقنا الناسك عن أنّ بعض "السياديين" لم يكونوا حريصين على السيادة

علينا الاستفادة من دروس الماضي فلا نذهب إلى عنف مدمر أو فوضى شاملة.

لتكن ثورة ثقافية تربوية سياسية اقتصادية اجتماعية، وليكن هناك قادة ومثقفين وهم موجودون وبعضهم كان في الساحات، على مستوى ثوار العالم، من الثورة الفرنسية الى الاميركية الى البولشيفية الى ثورات أميركا اللاتينية، ولنبنِ لبنان الدولة ولبنان القانون والمؤسسات حيث التغطية الصحية الشاملة والإسكان السليم والبيئة التربوية والطبيعية الصحية وإرساء وتطبيق قوانين الانتخاب والضريبة والأحوال الشخصية التي تؤسس لدولة المواطن.

 

اترك تعليقا