الخيمة  3

الخيمة  3

ترى ماذا جال في بال سعيد جنبلاط وهو مسجون في السراي الكبير في العام 1860 متهماً بقتل آلاف الموارنة؟ ها هو الموفد الإنكليزي يطمئنه أنْ «اتهم خورشيد باشا العثماني(1) بأنه المحرض لنحاكمه دولياً وستبقى صديقنا.» «ماذا فعلتُ؟» قال لنفسه، انتقمتُ لشرفنا من البطريرك الماروني وأتباعه. هم بدأوا والبادئ أظلم. ماذا فعلت أختي نايفة، سوى أنها استجابت لرغباتي بقتل بعض مسيحي حاصبيا؟ لا، لن أبيع صديقي خورشيد فشرفي لا يرضى. لا، لم يضحك الإنكليز عليّ فهم أصدقائي... هؤلاء الموارنة الملعونين... وهكذا جاء موته بالسل ليخلّص الجميع بما فيهم نفسه المعذبة.

ترى ماذا جال في بال كمال جنبلاط في العام 1975، ولبنان يشرف على حربه الأهلية؟

«أنا هنا سيد المختارة»… فلا بد للمرء أن يكون سيداً بالمعنى الحقيقي للكلمة، ذلك أن معنى كل حياة هو أن يكون المرء سيد نفسه،» (2) يقول كمال جنبلاط.

ترى إذاً ماذا كان يدور في الرؤوس حين رُفع العلم الفرنسي في العام 2006 في أعالي خيمة الدروز في المختارة؟ وكذلك حين رفع العلم الإنكليزي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ثم العلم الفرنسي في نصفه ومرة أخرى في القرن الواحد والعشرين. كل هذا لا ينتقص من السيادة ولا من الاستقلالية، «فالدروز لم يحتاجوا يوماً إلى حماية (كالموارنة وزعمائهم(3)، يكمل كمال جنبلاط.

وهكذا يمكننا أن نتخيل أنّ رفع الأعلام الأجنبية واستطراداً صور رؤوساء وملوك الدول الأجانب أو «غير اللبنانيين» من قبل زعماء لبنان هو سلوك عادي شبيه بما يفعله اللبنانيّون خلال لعبة كرة القدم، فأنت مع ألمانيا نكاية بجارك المؤيد لفرنسا أو أنت ببساطة تعشق الاحتفالات فتقتنص المناسبات. أم ترى يعود الأمر لما هو أعمق، أي الإنتماء؟ وقد تكون المسألة في الإنتماء الأساسي «للأنا» المتزعمة على مجموعة معينة يرتبط مصيرها بهذه «الأنا» عبر شبكة المصالح والترهيب والترغيب المتوفرة ضمن النظام القائم. والمسألة تتعلق أيضاً وحكماً بهذا الشبق الجارف للسلطة والذي يعكس خوفاً موروثاً بحيث يكون الإنتماء للذات هو الأساس. فنحن مع سورية لأنّ «لبنان جزء من سورية»، ومع مصر لأنّ مصر هي «البعد العربي» ومع فرنسا لأنّها «أم الثورات» ومع بريطانيا لأنّها «أم الديمقراطية»...واليوم ضدّ إيران لأنهم «فرس»، ومع أميركا لأنّها «قوة عظمى» و«راعية الديمقراطية». وبالتالي رفع علم هنا أو شعار هناك لا يعني تقلباً أو تبديلاً في الإيديولوجيات، بل انتهازاً لفرصة أو حفاظاً على مكسب.

إذاً «أنا سيد» وإن رفعتُ علم دولة أجنبية فوق منزلي، و«أنا مواطن»، وإن رفعت علم ألمانيا أو البرازيل تأييداً لفريقيهما، وكذلك حين أرفع صور المرشحين إبان الانتخابات. ولعلني أكثر صدقاً في لعبة كرة القدم إذ أني «أدفع» ثمن الأعلام بينما غالباً ما «أقبض» لرفع صور المرشحين. و«أنا حرّ»، ولستُ تابعاً رغم هذا كله «فقانون الخيمة» يقتضي هذه المظاهر، بما في ذلك إطلاق النار ابتهاجاً أو حزناً حيناً، وقتلاً أحياناً.

وأنت أيضاً لا تخطئ وهناك أسباب تخفيفية، بل وحكمة في أخطائك، وذنبك دائماً مغفور:

«ومن بين مشاكلنا كدروز هناك مشكلة وجود جماعة درزية في إسرائيل وهؤلاء الدروز ليسوا كما يحكي البعض، خدماً أو أوفياء للدولة اليهودية. ولكن الدرزي لديه من الحكمة ما يجعله لا يتخلى عن أرضه متى جاء المحتل...فالدروز عقلانيون...وأعتقد شخصيًا أنه ولو أنّ الآخرين قلدوا الدروز بدلاً من الهرب، كان هناك مشكلة إسرائيل...» (4) يقول كمال جنبلاط.

إذاً دروز إسرائيل حكماء في الوقت عينه الذي نَصِف فيه موارنة لبنان بالانعزاليين وأسوأ.

فالعدو هو الآخر )أيام كمال جنبلاط كان الموارنة هم العدو):

«إن خطيئة لبنان العظمى )أو كبيرته) هي روحية التعصب التي حملها الموارنة... يعرفون دائماً كيف يتملصون... إنهم شطار... لا يتراجعون أمام أي تضحية بكرامتهم الشخصية... والسجود أمام المتمول لتغيير حذائه... إنّهم يمارسون تجارة الرقيق...» (5) يقول كمال جنبلاط.

كم كانوا شريرين هؤلاء الموارنة، أما اليوم فهم ممتازين. العدو اليوم هم الشيعة.

ترى هل كان يعلم «الرواد )أول المطلعين على أسرار الدين) الأوائل والذين استقروا في واد التيم )راشيا-حاصبيا(، حيث وجد الدروز فيه المهد الحقيقي الذي حضن مذهبهم ومن وادي التيم راح الدروز يتسللون باتجاه هذه المنطقة الشوفية مزيحين عنها الشيعة الذين سبقوهم إليها...»(6)، هل كانوا يعلمون أن الشيعة سيبقون وسيعاودون انتشارهم نحو الشوف؟ وهل كان الشوف يا ترى آنذاك هو ذاته جغرافياً «شوف اليوم»؟ وماذا عن جغرافيا وديموغرافيا «شوف المستقبل»؟

وهل كانوا يعلمون أن «لغة العقل» تتعطل؟ فالعدو حيناً الموارنة، وأحياناً السنة واليوم الشيعة وغداً لناظره قريب؟... وليأتي سقراط وأرسطو ويتعلّما لغة العقل في خيمتنا، علّهما وبالتعاون مع «الشرعية الدولية» سيتمكنا من إيجاد حل يسمح لنحو 100,000 «مقترع درزي» بالموافقة على قانون انتخاب «يحقق المساواة» بحيث يستمر سليمان فرنجيه راسباً في انتخابات حاز فيها على نحو 83,000 صوت وتتمكن «خيمة الدروز» بمئة ألف مقترع من الحوز على نحو 15% من خيمة مجلس النواب )بمن فيهم نائب في طرابلس ولكن ليس من طرابلس)، وذلك دون إغضاب حلفاءهم من الموارنة والسنة. كل هذا في الوقت الذي نحاضر فيه عن بناء الدولة، ونمنع فيه شراء الأراضي لكل من هو غير درزي بحيث يبقى الشوف صافياً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الدستور اللبناني والمساواة بين سائر المواطنين بالطبع «فالدستور فوق كل شيء»!...

وإذا كان وصار ودخلنا حرباً أهلية وقَتَلنا في قرية بريح وقُتلنا ثم قَتَلنا في قرية كفرمتى فلتُدفع أموالاً للقاتل تماماً كالمقتول )وربما أكثر)،)من جيب الناس طبعاً ولا بأس أن نستفيد من الفرصة أيضاً وأيضاً) وإذا سُئلنا عن الحرب أجبنا «صحيح )الحرب جريمة)... لكن ما سبب هذه  الحروب؟..»

ترى ما سبب هذه الحروب؟ فلنفتش كل منا في خيمته، قبل خيمة الآخرين...

يتبع

(1)          مفوّض عثماني في سورية ولبنان

(2-3-4-5-6) من كتاب كمال جنبلاط، «لأجل لبنان» Pour le Liban, Stock 1978

اترك تعليقا