عولمة الرعب - يوسف الأشقر-الكتاب الذي أنذر بضربةٍ على الولايات المتحدة في 2001

بالرغم من التقدّم العلمي الذي حقّقته الانسانية، يبقى تحديد شكل العالم الذي نحيا فيه رهناً بكيفية استخدامنا لهذه الابتكارات والأدوات العلمية الحديثة. يشير الأشقر إلى أنّ العولمة لم تبدّل الحقل التقني فحسب بل طالت الميادين السياسية والعسكرية والثقافية أيضاً. يستهين الكتاب بمزايا العولمة ومنافعها فيعمد إلى تسليط الضوء على دورها في تعزيز المزيد من التدخّلات ما بين الدول. هكذا، تصبح مصائر الدول وشعوبها مقيدةً في أيدي قلّة قليلة من خلال مبدأ «رفع القيود» وهي عبارة يتمّ استخدامها حسب الأشقر لتشريع عدم الشرعية. وهذا مناقضٌ للأهداف المتعارف عليها للعولمة ويحوّل مهمتها من تحقيق عالم متعدّد الأقطاب فيه توزيع متوازن للسلطة والنفوذ إلى عالم متعدّد الأقطاب مع الحق الحصري للبعض منها باحتكار النفوذ واضطهاد الآخرين، فتكون النتيجة مزيداً من العنف والمواجهات في ظلّ تضاعف سيطرة الحكومات.

هذا النوع من التدخلات هو سلوك تتبنّاه القوى العظمى في العالم لدوافع عادةً ما تخدم مصالحها الخاصة. هكذا، تستمر هذه القوى في توارث منطق الامبراطوريات من خلال ما يسميه الأشقر «عولمة الامبريالية». والواقع أن الدول التي تناقلت هذا الإرث ما زالت اليوم تتعاطى مع الدول الأخرى طمعاً باحتلالها. شأنه شأن الامبراطورية الرومانية، يحاول النظام الامبريالي اليوم تحويل العالم إلى قرية عالمية واحدة تعمل وفق شروطه، ويشبّه الأشقر الولايات المتحدة بهذه الامبراطورية مشير»ا إلى أنّها تشنّ كافة حروبها على أراضي الآخرين كي تبقي شعبها آمناً مطمئنا. هكذا، يتبيّن أن العولمة لم تساهم في تحسين نوعية حياة الشعوب في مختلف أصقاع الأرض...

قبل أحداث 11 سبتمر بفترة وجيزة، دعا الأشقر في كتابه الولايات المتحدّة إلى عدم الاندهاش في حال تعرّضها لتهديدات ضمن أرضها لأنّ ما تمارسه من محاولاتٍ لتعزيز عالمٍ معولمٍ قائمٍ على العنف من خلال ما تسميه «الحرب على الإرهاب» سينقلب عليها في نهاية المطاف. إن تشابك هذه القرية العالمية الواحدة معناه أن أياً كان بات قادراً على أن يشكّل مصدر خطرٍ أو تهديد، ولم يعد استخدام القوّة حكراً على الدول فحسب. يشكّل الفصل الثالث زبدة هذا العمل يتنبّأ الكاتب بهجومٍ غاشم يستهدف الأرض الأميركية ويستفيض في شرح هذا المشهد بدقّة، فيتخيّل أن العملية ستكون بأسلحة بيولوجية وفي وسط مدينة كبرى لديها شبكة علاقات منتظمة، ثمّ يضيف أن ردود الفعل وملابسات وتطورات هكذا حادثة قد تتبدّل مع الوقت وتحدث مفاجآت لم تكن يوماً بالحسبان. يقدّم الأشقر في هذا الجزء تفصيلاً كاملاً لسيناريو الهجوم المرتقب مع تصوّره لمضمون الكلمة التي سيلقيها الرئيس الأميركي بعد الحادثة والتغيّرات التي ستطال المجتمع الأميركي وقرارات الأمم المتحدة والحرب التي ستشنّها الولايات المتحدة لتجنّب تكرار هكذا هجومات.

مع انفتاح المجتمعات على بعضها البعض بحكم العولمة، باتت الحروب اليوم تؤثر على الشعوب بشكلٍ أكبرمن تأثيرها على الحكومات. لم يعد استخدام العنف محصوراً في أيدي قلّة قليلة ومن هنا الخطر المتزايد على الأمن الأميركي. لم تتمكّن الولايات المتحّدة من استكشاف العلاقة السببية بين علاقاتها بالبلدان الأخرى والمخاطر التي تتهدّدها. يوافق الأكاديميون الأميركيون أن السياسة الأميركية هي المحفّز الأول لهذه التهديدات، ومع ذلك، ما من جديّة لدى أيّ منهم في مقاربة هذا العامل عند وضع التوصيات المرتبطة بالسياسة التي سيتمّ اعتمادها.

يقدّم الأشقر في كتابه التحليلي الموثّق توقّعات وتكهّنات في غاية الأهمية والواقع أنّ الدقّة التي يروي بها أحداث الهجوم تدعو إلى الذهول خصوصاً أن أحداث11 سبتمر التي وقعت عقب صدور كتابه بفترةٍ وجيزة تثبت صحّة تصوّره لأخطار السياسة الأميركية الخارجية في عالمٍ محكم الترابط العتام الذي نحيا فيه اليوم. 

اترك تعليقا