إقلب الصفحة يا فتى - وزارة الثقافة

جميل جداً أن تنفذ إلى وجدان أحد شعرائك المفضلين لتعرف كيف فكّر في الأصل بالتعبير عن كلمة أو جملة ما قبل أن يعيد النظر فيها ويراجعها ويشطبها ويكتب مكانها لفظاً أو تعبيراً آخر يرى أنه أصدق، من الجميل أن تعرف كيف كان جبران يروّض ذاكرته ويناجي نفسه قائلا: «لا تنس قصاصات الورق مفهوم؟» ، جميل أن ترى رجالاً تركض حيناً، وأجساداً هائمة أحياناً وقصاصات أدبية رُسمت بتلقائية وحرية مطلقة أحياناً أخرى وترى تَقلّب أنامله بين قلم الفحم والأقلام الملونة فتتساءل إن كانت مجرد صدفة أم لحظة هاجم فيها خاطر نفيس قريحة الشاعر فلم يُرد له أن يفلت من بين يديه. 

بين صفحات الكتاب عرّف جبران بنفسه «ولدت منذ أربعين سنة وأراني في كل يوم مولوداً ... وقد صرفت الأربعين سنة محبّاً للناس متمرّدا متألما كاتبا مصورا». جبران ذلك الغريب عن الشارع و عن الكنيسة، لا يجد راحته إلا في غرفته عندما يستلقى فيها و يتنهد ويفكر فتستمع الجدران وتشعر الأسقف ولا تبوح. جبران ذلك المتمرد على التقاليد الخرقاء التي تستبدّ بالبشر، يأتي هو ليخبرهم أنهم مخطئون ويحذّرهم «سوف تستيقظون ولكن بعد أن ينام جسدي في الحفرة وتسرح روحي مع أسراب الأرواح». جبران ذلك المتميّز الذي ميّز لغته و قاموسه الذي لم يطبع إلا بالذاكرة عن لغة الآخرين، جبران ذلك المهاجر الذي لم تكن هجرته في صباه من بلدة بشرى إلى بوسطن بداية عهده بالغربة، وإن كنا لمسنا مكابدته غربة المهجر في رسائل الشوق التي بعث بها إلى أهله وصحبه في لبنان و مع كل هذه الغربة عن البشر وعالمهم فقد ظل جبران يفضل أن يكون واحداً من البشر عن أن يكون شجرة في الغاب.

في الكتاب ننتقل مع جبران من محاولاته الأولى لتعلم الفرنسية عبر تصريف الأفعال، إلى تفوقه الشعري وهو ما زال في مرحلة الصبا، إلى هجرته من لبنان، وأخيرا تكوينه جمعية الحلقات الذهبية. ومع أنه ليس سياسيًا ولا يحبّ أن يكون، إلا أنه ناجى المتمردين والسوريين وعاتب الصهاينة وخاطب الشرقيين «كل واحد منكم له شخصيتان: شخصية تحرر سرّاً وشخصية تمتثل علناً»، وتكهّن للبنانيين «لبنان يتمخّض بثورة مذهبية و من يعش ير» و من أجدر به أن يتكهّن للبنان وهو العاشق لوطنه «فلو لم يكن لبنان وطني لاتخذت لبنان وطني» ، أما الموسيقى والفن فكانا الأجمل والأعظم بالنسبة له، إذ شبّهما بروح الله المرفرفة بين قلوب البشر.

خاتمة الكتاب جاءت على شكل نص قصير بعنوان «على قبري» وبالفعل حفرت تلك العبارة بالنار على خشبة محاذية لقبر جبران وجاء فيها: “ أنا حي مثلك، وأنا واقف الآن إلى جانبك، فأغمض عينيك والتفت ترني أمامك”. وبالفعل جبران مازال حيّاً من خلال أعماله التي تحاكي الأجيال.

أما السؤال الذي يطرح نفسه فهو مدى أخلاقية الدخول إلى عالم جبران الحميم الذي بقي طيّ الكتمان، هذا السؤال طرحه معدّو الكتاب على أنفسهم فمنهم من رأى أن النشر لا يجوز لأنه تطفل على خصوصيات جبران، ومنهم من رأى غير ذلك وحجته أنه ليس في المنشور جديد على فكر جبران والقضايا الكبرى التي شغلته شعرا ونثرا ورسما... وأخيرا تقرر نشرها طالبين العفو من صاحب العلاقة، مبررين لأنفسهم بأن جبران لطالما أراد الاحتفاظ بمادة صالحة للنشر.  

اترك تعليقا