بطرس ديب-إنجازات في القانون والإدارة والتعليم والدبلوماسية

الولادة والدراسة

ولد بطرس يوسف ضاهر ديب في 23 آب 1922 في البرازيل، أسرته كانت من الأسر التي هاجرت إلى هناك في مطلع القرن العشرين، وتعود بأصلها إلى مدينة اللاذقية السورية التي تعود بدورها إلى آل الأشقر في بيت شباب ووالدته (ماري الياس) تنتمي إلى عائلة الياس التي برز منها نوفل و يونان الياس. درس في بانياس لكنه سرعان ما انتقل إلى بيروت ودرس في مدرسة البعثة العلمانية الفرنسية حتى نهاية المرحلة الثانوية، وبعدها إلى جامعة القديس يوسف حيث نال الإجازة ثم الدكتوراه في الحقوق وشهادة دكتوراه أخرى في التاريخ من جامعة ليون في فرنسا.

الزواج

تزوج من ليلى الشعراوي (من مواليد العام 1923) التي يعود أصل عائلتها إلى لواء الاسكندرون السورية وهي ابنة خالة كل من الرئيس سليمان فرنجية و شقيقه النائب والوزير حميد فرنجية الذي اقترن بابنة خالته وبالتالي فان بطرس كان عديل حميد فرنجية. ويروى أن زوجة حميد فرنجية اقترحت عليه بعد المرض الذي ألم به في العام 1959 ان تؤول الزعامة الزغرتاوية إلى ديب وهذا الأمر لم يتحقق لان الوريث الطبيعي لهذه الزعامة كان الشقيق سليمان فرنجية . ويفسر البعض أن إبقاء فرنجية لبطرس ديب في المديرية العامة للقصر الجمهوري بعد انتخابه في العام 1970 كان بمثابة رد متأخر على تلك المحاولات وأن موقع ديب ليس الرئاسة. وقد أثمر هذا الزواج عن أربعة أولاد.

الحياة العملية

بدأ حياته العملية في ممارسة مهنة التدريس حتى قبل إنهاء دراسته الجامعية فدرس في بانياس و كان من بين طلابه نائب رئيس الجمهورية السورية السابق عبد الحليم خدام.وبعد حصوله على شهادة الدكتوراه عمل في الجامعة اللبنانية واليسوعية ومعهد الآداب الشرقية.

تعرف باكراً على اللواء فؤاد شهاب وتوطدت العلاقة بينهما لذلك عين في العام 1959 مديراً عاماً للإعلام كونه شخصية مقبولة من سائر الطوائف وعلى درجة من العلم والثقافة فعمل على تعزيز وتطوير الإعلام الرسمي لاسيما إذاعة لبنان التي اتصفت بالانفتاح. واستمر في موقعه حتى العام 1965.

في العام 1965 وحتى العام 1966 أصبح عميداً لكلية الحقوق في الجامعة اللبنانية. وبعد ذلك انتقل إلى السلك الخارجي. فتولى أولاً منصب سفير لبنان في الاونيسكو واستمر في هذا الموقع حتى العام 1969.

في نهاية العام 1969 في أواخر عهد الرئيس شارل حلو عين مديراً عاماً للقصر الجمهوري واستمر مع الرئيس الجديد سليمان فرنجية الذي انتخب في العام 1970 وكان له تأثير واضح على عمل الرئاسة وأعداد خطابات الرئيس.

في أيلول من العام 1975 وبعد اندلاع الحرب اللبنانية اختاره الرئيس فرنجية أن يكون سفيراً لدى دولة الفاتيكان نظراً للدور الكبير الذي أخذت تلعبه في الحرب اللبنانية خصوصاً وأن ديب كان على درجة عالية من العلم والثقافة تمكنه من التأثير في أوساط الفاتيكان.

بعد مكوثه نحو سنتين في الفاتيكان عاد إلى لبنان ليتولى في حزيران 1977 رئاسة الجامعة اللبنانية في فترة حرجة إبان الحرب حيث عمل على إيجاد فروع للجامعة اللبنانية في المحافظات للحد من تنقلات الطلاب بين المناطق و المخاطر المحدقة بهم.

من الجامعة اللبنانية انتقل في كانون الثاني 1980 ليكون سفيراً للبنان في فرنسا حيث اختيرا أيضاً ليكون رئيساً لمجلس السفراء العرب في فرنسا كونه شخصية توافقية على درجة عالية من العلم والثقافة ومعرفة بالثقافة و اللغة الفرنسية . وفي نهاية العام 1982 في بداية عهد الرئيس أمين الجميل قدم ديب استقالته متوقعاً أن يعهد إليه الجميل بمنصب آخر في دولة أخرى أو في لبنان لكن الجميل خيب ظنه. فابتعد ديب وانصرف إلى كتابة المقالات الصحافية كما أصدر مجلة الصفر.

في العام 1988 طرح البعض اسمه كمرشح توافقي لرئاسة الجمهورية لكن الرياح كانت باتجاهات أخرى فشغر منصب الرئاسة التي آلت لاحقاً وبعد حروب مدمرة إلى الرئيس الياس الهراوي.

صفاته

كتب السفير عادل إسماعيل في بطرس ديب في العام 1999 ما يلي:

“حياة بطرس ديب في باريس كانت أشبه بحياة ناسك حياة رجل فكر و مثال للهدوء واللياقة الكاملة والإنسان المتواضع طوال الـ 40 سنة التي كنت التقيته فيها، لا أذكر أني سمعته مرة واحدة يرفع صوته أو يتعرض للآخرين بل كان مثلاً للرجل الخلوق والصديق الصدوق، وأقول باعتزاز إن المدة التي قضاها بطرس ديب مندوباً دائماً للبنان في اليونيسكو تركت أفضل الأثر لدى سفراء الدول الكبرى والدول الصديقة و العربية. وهذا ما يعطيه هذه الصفة الإنسانية التي قدرها الجميع”.

وكتب عنه سمير عطا الله في العام 2001 “كان الرئيس سليمان فرنجية يتصرف بمحسوبية عندما عين الدكتور بطرس ديب رئيساً للجامعة اللبنانية (كان ديب عديلاً لشقيق الرئيس فرنجية وزوج ابنة خالته). لكن بطرس ديب كان أكاديمياً كبيراً من كبار الأساتذة في لبنان، وكان سيرة طويلة متواصلة من الأبحاث والمؤلفات والفكر واللغات، وكان بطرس ديب عندما يحاضر في جامعات باريس يأتي إلى سماعه بتواضع عمداؤها وأساتذتها قبل طلابها”.

قال عنه غسان تويني في حفل “تحية إلى بطرس ديب” الذي نظمته الحركة الثقافية في انطلياس في 11 آذار 1999 “كأن ديب ما ورد إلا ليكون دبلوماسياً بالمعنى الاصيل”.

وقال عنه الدكتور جورج طعمة رئيس المجلس الوطني للبحوث العلمية: “كان إدارياً من الدرجة الأولى، وأستاذاً جامعياً قريباً من طلابه وباحثاً متعمقاً في الوصول إلى المعرفة، وكان يجمع إلى ثقافته الواسعة في التاريخ والفلسفة والحقوق والعلوم السياسية اطلاعاً واسعاً على كل ما هو مستجد.”

ولعل أفضل ما قيل في صفات ديب أنه كان أول رجل مدني يعلم تاريخ الكنيسة في كلية اللاهوت في بيروت، كذلك كان واحداً من المسيحيين القلائل الذي خطب في أحد المساجد عن شهر رمضان. شخصية معتدلة على درجة من العلم وحسن الإدارة . هكذا كان بطرس ديب.

موقفه من الإسلام

ومن الانتقادات التي وجهت إلى ديب ما كتبه مفتي طرابلس السابق الشيخ طه الصابونجي إذ اتهم ديب بأنه من رجالات الكهنوت المسيحيين الممارسين وانه معاد للإسلام إذ ألف كتاباً عنوانه "النظم الإسلامية" فيه الكثير من الأضاليل ضد القرآن والإسلام واعتمده بين الكتب المقررة على طلاب السنة الرابعة في كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية. ما أثار احتجاجات الطلاب المسلمين في الكلية فأمر مفتي الجمهورية حينها الشيخ محمد علايا بتأليف لجنة لدراسة الكتاب،استدعت اللجنة ديب الذي ادعى أن ما كتبه كان بالاستناد إلى كتب قديمة كتبها بعض المستشرقين وانه مستعد لتصليح ما كتبه ووافق على التعديلات التي تناولت أكثر من نصف الكتاب وأعاد طباعته وتوزيعه على الطلاب بحيث اعتبر الصابونجي أن ديب كتب ما كتب بمعرفة وإدراك بهدف الإساءة إلى الإسلام. لكن هذا الكلام بقي من دون إثبات فعلي على توجهات كهذه لدى بطرس ديب. بينما كتب الدكتور حسن المنلا عن واقعة أخرى حصلت مع الدكتور ديب إبان توليه رئاسة الجامعة اللبنانية ولجوء الحكومة بسبب الظروف لإنشاء فروع للجامعة في المناطق اللبنانية ومن بينها فرع في منطقة الشمال حيث عمل على تسهيل إنشاء هذا الفرع وأثناء الاجتماع معه بعد الاتفاق على استئجار مبنى معين طلب ديب من الجميع قراءة الفاتحة لمباركة تأسيس الفرع.

الوفاة

توفي الدكتور بطرس ديب في 26 كانون الثاني 1999 في فرنسا التي بقي فيها بعد انتهاء عمله الدبلوماسي فعمل في البحث والتأليف وتم ترشيحه لرئاسة معهد العالم العربي في باريس لكن هذا الترشيح لم يصل إلى مبتغاه. 

اترك تعليقا