مشاركة

تحليل موقف المجلس الدستوري من قضية حفظ حق الناجحين في مبارايات مجلس الخدمة المدنية

الدكتور عصام نعمة إسماعيل

مستشار الشؤون الدستورية والإدارية في الدولية للمعلومات

يرسم القضاء حدوداً لعلاقته بالأطراف السياسية، هاجسه دائماً ضمانة العيش المشترك وتأمين التوافق بين القوى اللبنانية المختلفة، وهو يحكم وفق ما يمليه القانون والدستور فلا يحيد عنهما، ولهذا فإنه وفي بعض القضايا ذات الحساسية والتي يكون للحكم فيها تأثير في تأجيج الصراع بين القوى السياسية، فإن الواجب الدستوري يفرض عليه أن يختار بعناية حيثيات حكمه وفقرته الحكمية بما يحقق المصلحة الوطنية العليا التي لها الغلبة على ما عدها، إذ ليس أشرف وأسلم لهذا القضاء  من القول أنه على مسافة واحدة من الجميع، وأنه لم يستعجل الحكم بما يؤدي إلى وصمه بأنه طرف في منازعة سياسية حادة بين القوى اللبنانية المتناحرة.

وهذا المنحى في تفسير النص الدستوري هو قاعدة عامة وليس حالة ظرفية،  فالهدف من تفسير الدستور هو إيجاد حلول للعلاقة بين المؤسسات الدستورية، ولهذا لا يجوز تفسير أحكامٍ تؤسس لمجتمعٍ سياسي له كيان حقوقي بالطريقة نفسها التي تفسر بها احكام قانون السير أو القانون التجاري.  فأحكام الدستور تنطوي على ارادة عليا جامعة، وعلى رؤيا شاملة تجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل يجب أن يأخذها المفسّر بالإعتبار ويغوص في مكوناتها وينظر إلى الأمور في شموليتها وبعد نظر لكي نتمكن من توضيح النص الدستوري واستخراج المعايير منه"( عصام سليمان؛ تفسير الدستور، المجلس الدستوري الكتاب السنوي 2009-2010 ، ص 367) فمن يفسّر نصاً دستورياً، مدعو للتمييز بين القيم النابعة من تفاهم وطني عام والقيم التي هي موضع خلاف، وعند وجود امكانية لتفسيرين للنص نفسه، لابد من اعتماد التفسير الذي يرتكز على القيم التي هي موضع تفاهم واستبعاد التفسير المستند الى القيم التي هي موضع خلاف، لأنه لا يمكن تجاهل الضغوط الاجتماعية التي ترخي بثقلها على المفسر، وهذا ما يؤدي الى البحث عن التفسير الأكثر قرباً من الحقيقة (عصام سليمان، تفسير الدستور وأثره على المنظومة الدستورية، الكتاب السنوي 2012، ص 26).

ومن استقراء أحكام المجلس الدستوري نجد أن يرسي نهجاً ثابتاً في الابتعاد عن اتخاذ موقفٍ يؤدي إلى غلبة فريقٍ على آخر عندما ترتدي القضية المطروحة بعداً ماساً بالتوافق الوطني والعيش المشترك. والأمثلة عديدة، في قضية الطعن المقدّمة من ميرنا المر طعناً بفوز كبريال المر، رأى المجلس :"أن ما رافق العملية الانتخابية في دائرة جبل لبنان – قضاء المتن – كما عملية إعلان النتائج من تحركات وشعارات وتهديدات واستنفارات تتسم بالعنف والفئوية وبما قد يهدد الأمن الأهلي لا بل التماسك الوطني، كما يتبين بشكل جلي أن ذيول هذا الانتخاب ما زالت على حالها من التفاعل والتصعيد وان ليس ما يحول بالتالي دون استمرار هذه الاجواء بل تفاقمها في حال اجري انتخاب فرعي جديد في الدائرة ذاتها على المقعد ذاته على ما تدل الدلائل كافة بوجود هذا التشنج السياسي الذي ينجم عنه ويحمل في طياته مخاطر أمنية وانقسامات فئوية يسهل معها زرع الفتن وهي ما تحول دون اجراء انتخاب في ظروف ديموقراطية وسليمة تتأمن معها صحته وصدقيته بحال ذهب المجلس بخياره إلى فرض إجراء هذا الانتخاب" لذا قضى المجلس بإعلان فوز المرشح غسان مخبيراً حرصاً منه: "على الوفاء للمبدأ الدستوري الوارد صراحة في الفقرة (ي) من مقدمة الدستور بان لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، تعني بأن لا يستقل التمثيل الشعبي أي تمثيل، في ظل أوضاع تهدد صيغة هذا العيش التوافقية والميثاقية التي ارتضاها الشعب اللبناني صاحب السيادة ومصدر السلطات.." ( م.د. قرار رقم 5/2002 تاريخ4 تشرين الأول 2002 الصادر في الطعن المقدَّم من المرشحة ميرنا المر)، ثمّ أعاد المجلس الكرّة ذاتها دون عند النظر بالطعن المقدم من طه عطفت ناجي المرشح الخاسر عن مقعد سني في دائرة الشمال الثانية في دورة العام 2018 لانتخاب مجلس النواب، حيث أنه أنه بعد إعادة احتساب الأصوات كانت النتيجة ارتفاع الكسر الباقي للائحة الكرامة الوطنية التي ينتمي إليها المرشح الطاعن، في مقابل الكسر الباقي للائحة المستقبل، إلا أن المجلس اعتبر أن الفارق بين الكسرين كان ضئيلاً وخلص إلى إبطال نيابة ديما جمالي دون أن يعلن فوز المرشح الطاعن بل قضى بإعادة الانتخاب على المقعد الشاغر (قرار رقم 10/2019 تاريخ 21/2/2019).

وفي الطعن بقانون تمديد ولاية مجلس النواب (القانون المعجل النافذ حكما الرقم 16 تاريخ 11 تشرين الثاني 2014)، كان واضحاً أمام المجلس الدستوري أن هذا القانون مخالف للدستور وقد أورد في الحكم سبع مخالفات دستورية يكفي واحدة منها لإبطال القانون، ومع ذلك قضى المجلس الدستوري "إن انتظام أداء المؤسسات الدستورية هو اساس الانتظام العام في الدولة، ويقتضي قيام كل مؤسسة دستورية، ودون ابطاء، بالمهام المناطة بها، ضمن الصلاحيات المعطاة لها، وفي اطار القواعد والمبادىء التي نص عليها الدستور، وان الفراغ في المؤسسات الدستورية يتعارض والغاية التي وجد من اجلها الدستور، ويهدد النظام بالسقوط ويضع البلاد في المجهول، وحيث أن قانون تمديد ولاية مجلس النواب صدر قبل انتهاء الولاية بتسعة ايام فقط، وقدم الطعن في دستوريته قبل اسبوع من انتهاء الولاية، ما ادى الى تقليص الخيارات امام المجلس الدستوري الى حد كبير، وأن ابطال قانون التمديد المخالف للدستور، في الوضع الراهن، قد يؤدي الى فراغ في السلطة الاشتراعية، يضاف الى الشغور في رئاسة الجمهورية، ما يتعارض جذريا والدستتور، ذلك ومنعا لحدوث فراغ في مجلس النواب وقطع الطريق بالتالي على انتخاب رئيس للجمهورية، يعتبر التمديد امرا واقعاً (م.د. القرار رقم 7/2014 تاريخ 28/11/2014 بشأن الطعن بقانون تمديد ولاية مجلس النواب).

إن هذا المنطق في مقاربة الملفات الخلافية الحادة بين قوى سياسية، كانت ماثلة أمام المجلس الدستوري عندما نظر في دستورية المادة 80 من قانون الموازنة العامة لعام 2019 والتي نصّت على أن:" يحفظ حق الناجحين في المباريات والامتحانات التي أجراها مجلس الخدمة المدنية بناء على قرار مجلس الوزراء وأعلنت نتائجها حسب الأصول بتعيينهم في الإدارات العامة".

حيث قضى المجلس بأن الفقرة الأخيرة من المادة 80 على الرغم من عدم انسجامها مع الدستور تثير موضوعاً شائكاً مرتبطاً ولو بصورة غير مباشرة بتفسير المادة 95 من الدستور. وأن رئيس الجمهورية أرسل  الى المجلس النيابي طلباً يرمي الى تفسير المادة 95 من الدستور، ان المجلس النيابي أصبح واضعاً يده على الموضوع [حدد موعد جلسة تفسير المادة 95 في 17 تشرين الأول2019 لذلك لم يقضِ المجلس الدستوري بإبطال الفقرة الأخيرة من المادة 80 (قرار المجلس الدستوري رقم 23 تاريخ 12/9/2019).

بمعزلٍ عمّا توصّل إليه المجلس من عدم دستورية هذه المادة، فإن المجلس رأى أن الطعن بهذه المادة متصل بالمنازعة حول تفسير المادة 95 من الدستور، ذلك أن امتناع السلطة التنفيذية عن تعيين الناجحين إنما كان بحجة انعدام التوزان الطائفي، إن هذا التبرير لا يمكن للمجلس الدستوري تبنيه أو  تحمّل عبء إبطال المادة مع ما يعنيه ذلك من اسقاط حق الناجحين في التعيين، وهو يعلم أنه كان بيد الإدارة حق إلغاء النتيجة قبل إعلانها عملاً بالفقرة 8 من المادة الثامنة التي تنصّ على أن:" لمجلس الخدمة المدنية ان يلغي المباراة او الامتحان بناء على اقتراح ادارة الموظفين ..على ان قرار الالغاء يجب ان يسبق اعلان النتائج، ويعتبر لاغيا اذا اتخذ بعده". ولكن الإدارة لم تعيّن الناجحين، كما أنه يعلم أن حفظ لائحة الناجحين لمدة سنتين إنما مقررة بموجب نص اشتراعي جرى تعديله بموجب قانون، ولا مساس بأي مبدأ دستوري من خلال هذا التعيين باستثناء عدم مراعاة التوازن الطائفي، ولهذا أحيل النزاع إلى مجلس النواب بعد تفاقم المطالبات بضرورة تعيينهم فأخذ مجلس النواب على عاتقه هذا الأمر وصدر القانون الذي حفظ حق الناجحين بالتعيين، وهذا ما دفع فخامة رئيس الجمهورية إلى توجيه رسالة إلى مجلس النواب لتفسير المادة 95 من الدستور.

هو إذٍ نزاعٌ ذو بعدٍ ميثاقي، طائفي، ومواجهة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية حول كيفية تطبيق المادة 95 من الدستور.

هذه المادة الميثاقية التي تعدّ من أكثر المواضيع حساسية في الحياة الاجتماعية والسياسية اللبنانية، وحصل خلاف حاد حولها لا سيما ما إذا كانت المادة 95 بصيغتها الجديدة مرعية الإجراء، أم أنها معلّقة التنفيذ بانتظار الدخول في المرحلة الانتقالية التي تبدأ مع الشروع بتنفيذ الخطة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية.  

لا شكّ إن هذا الموضوع هو من الثقل الذي لا يمكن للمجلس الدستوري تحمّله، ولم يجد بداً من ترك النقاش حوله إلى مجلس النواب، وهو فعل "ردة رجل" للمجلس النيابي الذي سبق له أن أجّل مناقشة رسالة رئيس الجمهورية تاريخ 24/4/2018 حول المادة 49 من قانون موازنة العام 2018 لأنها كانت محل طعنٍ أمام المجلس الدستوري الذي أبطل هذه المادة بموجب القرار رقم 4 تاريخ 15/4/2018. واليوم فإن المجلس الدستوري رمى عن ظهره هذا الثقل ذو الطبيعة السياسية الطائفية الميثاقية، وأعلن أن مجلس النواب هو الذي سيقرر في صحة مطالب الجهة الطاعنة وما إذا كانت هذه المادة متعارضة مع المادة 95 من الدستور.

وبعد أن أصبحت القضية في عهدة المجلس النيابي ، نال هذا المجلس اقراراً صريحاً من المجلس الدستوري متناغم مع توجه فخامة الرئيس لناحية أن مجلس النواب هو المرجع صاحب الصلاحية في تفسير الدستور.



أترك تعليق