مشاركة

"رندة ماتت"، قالت إبنة الأربع سنوات والدموع في عينيها وعلى شفتيها وفي صوتها أنين يسأل لماذا؟ "رندة جاءتنا بالكتب والطاولات والمقاعد... لماذا لم يساعدها الأطباء؟ من سيأتي بعدها؟ أولادها؟ هل سيبقى إسم المدرسة، مدرسة رندة؟" إسم المدرسة هو الانترناشيونال كولدج، ولكنه هكذا بالنسبة إلى هذه الطفلة.

أسئلة لم أستطع الإجابة عنها وقد لا يستطيع أحد. فمعالجة مسألة الموت فلسفياً ادعاء، ولكن ترى لماذا نجحنا في وضع مركبة على المريخ وفشلنا في معالجة مرض السرطان؟

 

رحلة رنده عزام خوري من مدرسة الشويفات إلى مدرسة "مسز" جريديني إلى كلية بيروت للبنات، اسمها اليوم LAU، حيث تخرجت في عام 1966 إلى الجامعة الأميركية (1968) ثم إلى الكلية مرة ثانية حيث درَّستْ بين سنتي 1985 و1990 ثم إلى الانترناشيونال كولدج حيث ترأست قسم الروضات إلى أن توفت في عام 2008، هي رحلة شاقة، لكنها مثمرة. والواقع أنّ رحلتها ابتدأت من حيفا، فلسطين حيث ولدت في عام 1944 وهُجِّرت مع أهلها طفلة في عام 1948 لتأتي إلى لبنان. رندة عزام زوجة ابراهيم خوري، مسيحية من فلسطين، نقطة بيضاء في فضائنا الأسود. هي البرهان على أنّ في بلادنا قصص نجاح، وعاملين يُنتجون بصمت. رندة مع زميلاتها وزملائها يضيئون شمعة في ظلام ليلنا الطويل.

 

أن تُهجَّر من منزلك طفلاً، والذي يسكنه اليوم “آخرون”، إذ رأت “الشرعية الدولية” و”الغرب” أنهما أحق بمنزل رندة منها، ثم تُسجِّل كل هذه النجاحات هي قصة ُتكتب لتنضم إلى مجلدات قصص مفترضة لم تُجمع ولم تُروَ. رندة خوري دليل على أنّ الشراكة مع الغرب وبالتحديد بين مربين حقيقيين من “هنا” ومربين حقيقيين من “هناك” هي شراكة ناجحة في مجالها.

 

لنتخيل طفلة عمرها أربع سنوات، تماماً كعمر الطفلة صاحبة السؤال، تصعد مشردة إلى مركب مع جدتها وأمها وتأتي بيروت بحراً لتلتقي بقية أفراد العائلة التي جاءت براً من عكا. ولنتخيل هذه الطفلة تصلي في الكنيسة مع أهلها حالمة بالعودة إلى منزلها ولنشهدها طالبة في الجامعة، وبعد نحو أربعين عاماً في بيروت مربية لأطفال في عمرها حين هُجّرت. رحلة فعلاً مثمرة، ولقد أثمرت عائلة بل عائلات.

 

رحلتها المستمرة، والتي لم تكتب بعد، من جبل الكرمل (حيفا) حيث الولادة إلى حي الضيعة في بتعبورة (الكورة) حيث المثوى، شاهد على أننا واحد في فلسطين وفي لبنان.

 

“رندة ماتت”، كلمتان تستحقان أن يُطفأ لهما كل هذا الضجيج في البلد علّنا نكتشف العصاميين الناجحين الحقيقيين.

 

رندة عزام خوري مربية علمانية من فلسطين ولبنان منفتحة ومتوحدة مع العالم كله بمحبة وعطاء. هي المثال للمواطن الكوني الملتزم بمجتمعه، قصة نجاح، ولكنها قصيرة. رندة مواطنة من “الثلث الضائع” في لبنان.

 

“أين رندة”؟ تابعت نور ليلى...

“لا أعرف. الجسم يتعب ويختفي أما روحها فتبقى”...

“أين”؟

“ربما مع النجوم، ربما مع الأزهار والفراشات ولكن الأكيد أنها تبقى معكِ أنتِ، ومع آلاف الأطفال الذين عرفوها”.

 

“رندة في الجنة”، يقولون...

 

بل رندة في المدرسة.

 

جواد نديم عدره

 

  • راجع العدد رقم 44 من «الشهرية» - أيار 2007


أترك تعليق