مشاركة

أو خيمة من لا خيمة لهم

"ماروني"

تغيرت الدنيا، لا أزال أذكر حين أخذنا بشير (الجميل) إلى دير... حيث تدربنا على حمل السلاح والقتال وكان الأب شربل قسيس يعظنا "الفلسطيني عدوك... السوري عدوك... "المسلم حليف لهما فهو أيضاً عدوك". قال لنا: أُقتل فلسطينياً تذهب إلى الجنة.

وكان شارل مالك يحدثنا عن لبنان "الأبدي السرمدي الذي لا يزول" وعن "المجتمع المسيحي" بوجه البدو والصحراء. وقاتلت من كل قلبي وقَتلت وقُتل أخي ولم أيأس. ولكن حين قُتل بشير بدأت الدنيا تتغير ولم يعد "القرار المسيحي" موحداً.

هُجرت من قريتي في الشوف ولم أعد ليومنا هذا. كان الدرزي عدوي أما اليوم فهو حليفي. كان السني عدوي أما اليوم فهو حليفي. كان الشيعي صديقي أما اليوم فهو عدوي. أما "السوري" فأذكر حين ذهب كميل شمعون وبيار الجميل إلى دمشق ودعياه إلى الدخول قائلين أنّ "لبنان وسوريا توأمان" فهو كان عدواً ثم صديقاً ثم عدواً ثم ...؟

أذكر أني كنت في استقبال شارون وفي وداعه أيضا.ً اعتقدت يومها أننا فوق الريح فإسرائيل معنا وهي لا تخسر. فعلاً  تغيرت الأيام، اليوم نحن حلفاء أبو عباس والمقدح وأبو العينين. شاركت في مظاهرة 14 آذار وصرخت من كل قلبي "أي ويلا بشير بعد الله". وحملتُ الأرزة.

على ذكر الأرز، ذكرني حتى أخبرك يوماً ماذا فعلنا بغابة الأرز في بشري (وبيني وبينك) لولا ضابط سوري كنا حطبناها كان في برد كثير. ماذا فعلنا بحالنا؟ "مش وقتها" يقولون لنا.

"سني"

فعلاً تغيرتُ. كنت أقاتل مع "المرابطون"، وكان أبو عمار يدربنا على حمل السلاح والقتال وعلى قبض المال وجبايته أيضاً. قاتلت وقَتلت وقُتل ابني، فدى فلسطين، اعتقدت حينها. كان العدو الصهيوني في بيروت وكان "الموارنة" يتعاملون معه (أقصد القوات) وكان أبو شاكر قبضاي الحي وكنت أنا أتقاسم مع حركة أمل والاشتراكي منطقة الحمراء وبيروت الغربية. كنا القانون وكنا الدولة. لم نعتدِ على "إخواننا المسيحيين"، لكن معظمهم تركوا. كل عنزة لحقت قطيعها. صح قتلنا على الهوية لكن هم أيضاً قتلوا على الهوية. كان العدو في الشرقية أما اليوم فقد تغيرت الأيام، سوريا هي العدو. نحن "والقوات" إخوان، أميركا ليست "امبريالية" بل تشجع الديمقراطية. نحن السنة لم تعد شوكتنا مكسورة. أذكر أنني شاركت في تحطيم محلات ABC   طرابلس  سنة 1967، كنت أعتقد أنهم عملاء أميركان. ذكرني  لأخبرك كيف كسّرنا كل شيء أجنبي حتى كرهت الفينيقيين لأنهم يقولون أنهم اخترعوا “الألفابايت”(الأبجدية). كنا مع جمال عبد الناصر، اليوم نحن مع فؤاد السنيورة. لماذا؟ “مش وقتها” يقولون لنا.

“شيعي”

 كنت في استقبال الجيش الإسرائيلي حين دخل الجنوب. لقد “فظع” الفلسطيني فينا وقلنا ليدخل الإسرائيلي ويخلصنا منه. كنت أفهم على الكتائب وقولهم أنّ الجيش اللبناني هو الذي يجب أن يسيطر وأن لا يكون هناك سلاح في المخيمات وخارجها ولا “أرض فتح”. نعم رششت الرز على الجندي الإسرائيلي، ولكن بعد ما رأينا ما فعلوا كانت أمي أول من رمى الزيت الساخن على رؤوسهم. لم أشعر أنّ لبنان يريدني فالمدارس لم تكن لنا لا جنوباً ولا بقاعاً. كانوا يقولون عنا “متاولة”. ذكرني لأخبرك عن علاقتنا الوثيقة بالكتائب “وبالمكتب الثاني”، كان همي إخلصْ من عرفات وهتفت وقتها: “الفلسطيني برا”.

وجاء الإمام الصدر ورفعنا رأسنا ونحن اليوم مقاومة ولن نتراجع. نحن وسوريا وإيران معاً ضد إسرائيل وأميركا. ولكن ماذا لو؟ انسحبت اسرائيل من شبعا وفاوضت سوريا على السلام وتقاربت إيران وأميركا؟ ماذا لو؟ “مش وقتها” يقولون لنا.

“درزي”

 نعم تغيرت الأيام ولكن في هذه الأيام بالذات نحن في “دويخة”. قاتلت مع وليد بيك ضد الموارنة وقتلت الكثير وحين قُتل كمال بيك كنت ممن ذبح هؤلاء المساكين. لا أدري لماذا فعلنا ما فعلناه ولكني عرفت أنّ المشكلة هي سوريا. كنت معها أما اليوم فلا، (ربما) الحقيقة لم أعد أعرف. أخاف أن يأتي الشيعة ويأخذوا المنطقة. كنت أخاف من “الماروني” ومن “السني” أما اليوم فأنا أخاف من “الشيعي”. وليد بيك يحاول ضبط الأمور وقد يتمكن من ذلك. أنا ناطر.

الوضع مع سوريا “مش منيح”. وليد بيك بيقول “ضيعنا العروبة على الطريق”، هلق عم نفتش تنلمها؟؟. بس ليه صار هيك؟ “مش وقتها” يقولون لنا.

مقاتل من الحزب السوري القومي الاجتماعي

 أذكر أننا دخلنا الحرب ضد “الانعزاليين”، دفاعاً عن فلسطين وبناءً للبنان العثماني المتناغم بل الموحد مع سوريا. ولكن أذكر أنّ الجيش الشامي (السوري) دخل لبنان وضُربنا نحن الذين كنا ننتظره مظفراً في لبنان وفي سوريا (بكيت وأنا أشاهد حافظ الأسد يعانق كميل شمعون وبيار الجميل.) قالوا لنا أنه جاء مستوعباً الخطر الصهيوني. وأذكر أننا انقسمنا ناساً معه وناساً مع عرفات والعراق وليبيا. كنا نريد لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية لكننا أُستوعبنا ضمن اللعبة فأصبحنا نتلقى التعليمات من “اللواء غازي” و”العميد رستم” (تخيل أنطون سعاده يفعل هذا). اليوم نحن مع قانون القضاء ومع تبادل السفارات ومع الحفاظ على “مكونات المجتمع اللبناني” ومع المقاومة. نسيت أن أقول لك أننا كنا المقاومة لكنهم قالوا لنا اتركوها “للشيعة”، وادخلوا الوزارة. لن أحدثك عما فعلنا في وزارة العمل وبالإتحاد العمالي العام. ترى لماذا انتهى الكيانان اللبناني والسوري اليوم أشد ابتعاداً مما قبل دخول الجيش السوري إلى لبنان؟ أما عما فعلناه في الحرب الأهلية فطبعاً لم يكن بفظاعة غيرنا، لكننا فعلنا.

اليوم نحن مشغولون بإظهار مخاطر سياسات الحريري والسنيورة وحكوماتهما. الحقيقة أننا شاركنا في معظم هذه الحكومات وأيدنا سياساتها وفي المجلس منحناها الثقة، جميع الموازنات كنا معها برغم ازدياد الدين العام والفائدة المرتفعة، اليوم لم نعد نتذكر،  “مش وقتها” يقولون لنا.

مقاتل من الحزب الشيوعي اللبناني

كنا لا نزال نخطب عن خطر الإمبريالية وعظمة الإتحاد السوفياتي وغورباتشيف مع رايسا يتسوقان في بولغاري. كنا أيضاً المقاومة ولكن ضربونا. مَن؟ رفاق اليوم. طبعاً كنا نريد الوزارة والنيابة لكنّ الجماعة فضلوا “الحزب القومي” علينا، نحن لم نمانع بل حرمنا. نحن أيضاً لم نقتل على الهوية لكننا قاتلنا مع مَن قتلوا على الهوية كما فعل “الحزب القومي”. لكن نحن علمانيون. تحالفنا مع القذافي ونسينا ما فعله برفاقنا مع جعفر النميري الذي قتل عبد الخالق محجوب،  آخر عظمائنا. كنا مع ستالين حين هدم تركة لينين ومع بريجنيف حين قضى على الستالينية ومع غورباتشيف قبل أن يبدأ بمهنة الإعلانات لمصلحة LOUIS VUITTON.

شهداء وأموال جاءت من هنا وهناك وكما قال رفيقنا السابق اسكندر رياشي “قبضنا وقبَّضنا”. ضيعانك يا فرج الله الحلو.

طبعاً كله في سبيل وحدة الطبقة العاملة. ألم يحن وقت النقاش؟ “مش وقتها” يقولون لنا.

مواطن

 لم أقتل ولم أقاتل ولعلي من حزب المقتولين، اسمعوا واقرأوا واحفظوا:

-    50 ألفاً هو عدد اللبنانيين المعوقين الذين يحملون بطاقة إعاقة وعددهم الحقيقي ربما أكبر والحروب هي السبب

-    ملايين الأمتار المربعة محرمة على اللبنانيين لأنّ الميليشيات المتقاتلة زرعتها بالألغام

-    54% من اللبنانيين لا يتوفر لهم تأمين صحي ويعتمدون في استشفائهم على خدمات وزارة الصحة العامة

-    26% من الأسر لا تملك مسكناً

-    43% من الأسر اللبنانية لا تتوفر لديها وسيلة نقل في بلد يفتقد تقريباً النقل العام

-    العديد من مصادر مياه الشرب ملوثة

-    90% من مياه لبنان المبتذلة تصب وترمى في البحر وفي المياه الجوفية

-    10 ساعات معدل الكهرباء يومياً

-    30 ألف مهاجر سنوياً

 

والآن، هل لا تزالون تعتقدون أنّ فوق رأسكم خيمة؟

جواد نديم عدره



أترك تعليق