مشاركة

لنتخيل للحظة أننا في القرن التاسع عشر (ولمَ لا؟ فنحن لم نتغير كثيراً وإن كان الكثير قد تغير)، ولنتخيل أيضاً أنّ البريطانيين آنذاك لم يتبنوا آل جنبلاط والذين جرى اضطهادهم من قبل الزعامات الأخرى، هل كنا سنشهد اليوم زعامة آل جنبلاط؟ ولنقفز إلى القرن العشرين حين قررت نظيرة جنبلاط أن تقرأ اتجاه الريح فقفزت مع الفرنسيين تاركة «الإنكليز»، هل لو لم تفعل ذلك، هل كنا سنشهد اليوم زعامة آل جنبلاط؟ ولنتابع مع كمال جنبلاط حين عانق الاتحاد السوفيتي وجمال عبد الناصر وياسر عرفات، فتوّج زعيماً للدروز وللحركة الوطنية.   ولنذهب إلى ما سمي «حرب الجبل» وبعدها، هل لو لم يتحالف وليد جنبلاط مع النظام السوري (عاضاً على جرح مقتل والده كما قال) هل كان اليوم زعيم الشوف؟ لنقرأ أدبيات شكيب إرسلان(1) مناهضاً التبعية للخارج حتى نفهم لماذا يسأل الناس اليوم من هو شكيب إرسلان ولنعرف أهمية أدبيات وليد جنبلاط في الحفاظ على الزعامة.

 

ولنتخيل أيضاً أننا لم نكن مُحتَلين من قبل العثمانيين ولم يكن العثمانيون في حاجة إلى حلفاء محليين لتدعيم احتلالهم هل كنا سنسمع اليوم عن «ارستقراطيي» و«زعماء» لبنان وسوريا وفلسطين والجزيرة العربية؟ هل كنا سنسمع بألقاب مثل بيك وباشا وافندي ودولة وفخامة وسعادة وسمو وجلالة؟ وهل لو لم يبدلوا ولاءاتهم كالعادة وبسرعة من العثمانيين إلى الفرنسيين والبريطانيين، هل كانوا سيبقون سلاطين «هنا» في لبنان و«هناك» في العالم العربي؟

 

هل لو لم يُفبرَك وعد بلفور ولم يتراجعوا عن عهدهم للملك فيصل الأول في دولة عربية موحدة، هل كنا سنسمع اليوم عن ترسيم حدود وعن حرب تحرير فلسطين وشبعا ومفاوضات سلام لاستعادة الجولان؟ وهل كنا سنشهد انقلابات عسكرية باسم فلسطين والعروبة؟ ولنتخيل أيضاً أنّ أميركا لم تقم بالانقلاب على مُصدق في إيران الخمسينات والمجيء بالشاه، هل كنا سنشهد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران؟ وهل كان الخميني سيصبح مرشداً وسيرسل مجندين أو متطوعين لتحرير الجنوب حيث عجزت الأنظمة العربية (بل بعضها تبسم) حين احتلت بيروت في عام 1982؟ وهل كنا سنسمع اليوم كلاماً عن سلاح المقاومة والثلث المعطل والشرعية الدولية؟ 

 

ولنتخيل أيضاً أنّ الغرب لم يقم باكتشاف النفط، ولم تقم دويلات النفط، هل كنا سنشهد «صحوة سلفية»؟ وهل كان «أهل السنة» في لبنان سيهبون لمحاربة «الهلال الشيعي»، بإيحاءات ديك تشيني وإيليوت إبراهام؟

 

ولنتخيل أيضاً وأيضاً أنّ «حكومة السنيورة» بشخص رئيسها لم تقم بتوزيع القبل على وجنات كونداليسا رايس ولم تقم «رموز 14 آذار» بممالحتها حين كانت «تطمئننا» أنّ القتل آتٍ، هل كنا سنشهد هذا الشرخ الكبير بين سنة وشيعة وبين مقاومة وحكومة؟

 

ولنتخيل أيضاً أنّ العراق لم يُحتل وأنّ النظام السوري إبان سيطرته على لبنان تصرف بمسؤولية وكما تَوَجَّب في بلد«ه» وبلد«نا» ولم يعث فساداً واضطهاداً بالبلد والناس «هنا» و«هناك»، هل كنا سنعيش اليوم توتر العلاقات الإقليمية والعربية؟ وهل كانت سايكس بيكو ستستمر ويزداد التفتت؟

 

ولنتخيل أنّ سلاطين لبنان والعرب كانوا حكاماً فعليين وعادلين، هل كنا سنشهد هذه الغربة بين المواطنين والأنظمة والوطن؟

 

ولنتخيل أنّنا لم نعتبر الشيوعية عدونا الأول، خدمة لمصالح غربية، وطبعاً لاستمرار سلطتنا، هل كنا سنشهد  قيام بن لادن و11 أيلول؟ واليوم لو لم نعتبر إيران عدواً هل كنا سنشهد تدمير العراق وما تبقى من فلسطين وتوترات لبنان وعزلة مصر وتهديد سوريا؟

 

وعودة إلى لبنان (دون أن نغادر)، هل كان ممكناً للنظام السوري أن يسيطر على لبنان لو لم يُعطَ له الضوء الأخضر من أميركا وهل كان سيخرج لو لم يُعطَ الضوء الأخضر للخروج؟

 وهل كانت ستُشكل وزارة لولا زيارة الرئيس السوري إلى فرنسا «الأم الحنون»؟ وهل كان للنظام اللبناني أن يستمر دون باريس 1 و2 و3 ودون أموال المهاجرين والسعودية وإيران وأميركا؟

 

«زعماء» لبنان، رهائن أنانياتهم والمحتل، وبائسون، في نظام اعتقدوا أنّهم أوجدوه، فخلقهم وأنهاهم، وجميع خيمهم من 1 إلى 7 لم تكن ممكنة لولا خيمة الخيم من بلفور إلى بوش. هل يعني هذا أنّ زعماءنا ليسوا شرعيين في طوائفهم ومناطقهم؟ على العكس إنّهم الشرعيون ونحن (ما بيعجبنا العجب) هامشيون. الأهمّ أنّ شرعيتهم تُستمد حيناً من الداخل ودوماً بسبب الخارج ودعمه.

 

لقد آن لهذا الخارج أن يعترف بجرائمه وآن لنا أن نطالبه رسمياً وشعبياً بذلك، وإلاّ فليكن لنا ملك غربي وليكونوا «هم» كما هم فعلاً أمراء شرعيين لطوائفهم، وليكن الموضوع رسمياً وعلناً.

 

جواد نديم عدره

 

(1) شكيب إرسلان، 1869-1946، كاتب ومؤلف وجدّ وليد جنبلاط



أترك تعليق