مشاركة

«عملت في محكمة الإثراء غير المشروع منذ عام 1953. نشرت وسائل الإعلام قضايا عن الفساد ولكن أحداً لم يهتم. فالنظام السياسي لا يرغب في مكافحة الفساد.»

(عبد الباسط غندور (1924 - 2008) رئيس سابق لهيئة التفتيش القضائي)

 

قاض يعمل ليل نهار وبضمير ومعرفة (أو قاضية) وله زملاء يشاركونه الرأي والمعاناة، قرر أن يروي المأساة في قصر العدل، وهذا بعض مما قاله:

 

«أعمدة الحكمة سبعة، وأعمدة الصحة سبعة أمّا أعمدة الدولة فواحد أحد: العدالة. الحكمة هي في إمكانية  الإدراك وتقرير ما هو خير وصحيح وواقعي. أمّا العدالة، كما رآها أفلاطون في جمهوريته، فهي الأس الأساس. فالعدالة تتطلب عقلاً وخُلقاً أي حكمة ودونها لا حكمة ولا حكم ولا صحة.

 

فلا عدالة دون حكمة ولا حكمة دون عدالة، والحاكم يعدل والعادل يحكم. لذا من يظلم، وخصوصاً إذا كان قاضياً فهو ليس بظالم فقط، بل هو أحمق. أمّا إذا كان «حاكماً» فهو سلطان (مِنْ تَسَلّط) وهو ديكتاتور. وفي عالمنا العربي سلاطين كثر ولا عدالة، ولبنان واحد من هذا الجمع.

 

نحن اليوم نزور خيمة القضاء وتحديداً مع قضاة أربع، الأول عاشق للمال والبروز مسخّراً نفسه للأثرياء وخصوصاً «للأرستقراطيين المسيحيين حتى ما يتبهدلوا»، وارتاحت أعصابه حين تحالف هؤلاء مع «الأرستقراط» من «أهل السنة». والثاني سمح لنفسه أن يُستخدم في حكمته ومعرفته القانونية. أمّا الثالث فمقتله هو جشعه للمال وحرصه على خدمة الأول والثاني خصوصاً قبل التشكيلات القضائية. وقيل أنه أسَّر لنفسه: أفضل أن أُفصل من السلك غنياً على أن أتقاعد فقيراً. وهو اليوم متحالف مع المصارف والشركات المالية وشركات التأمين، والمتقاضون يعرفون ذلك فتُوجّه إليه القضايا لخدمة هذا أو ذاك. أما الرابع، فقد آثر العافية وقرر الانتظار بحيث لا يحمّل ضميره ولا أعصابه هذا الوضع.

 

ويبقى الأهم القاضي الثاني. ترى ما الذي دفعه إلى الخطيئة؟ لقد تربى على الخير وعرف العذاب في ذاته ومع محبيه وكوّن حيثية، فقيل أنه عاقل وأنه حكيم وأنه يفقه. ترى ما الذي حدث؟ وكيف تعثّر؟ ولعل أشدّ العثرات هي تلك التي يتعثّر المرء فيها بأحلامه.

 

يقول سعيد تقي الدين:

«أول رجل أبيض زار الأسكيمو ظنوه إلهاً ولكن حين حان الليل وطلب امرأة  ليضاجعها عرفوا أنه أخو شليته إنسان». في لبنان «طالبو وصلٍ» كثر،  لكن هل يسمح أن ينتشروا في قصر العدل؟

 

نعم، في قصر العدل مرض وهو مزمن، أصابه ما أصاب لبنان.

ولكن ماذا لو دب «مرض» آخر محبب في اللبنانيين غير مرض الترشيح والإنتخاب والموالاة والمعارضة والمعارضة المضادة، وحب المال والسلطة؟

ماذا لو قال القاضي الأول: كفى فالمال والسلطة لن يدوما؟

وماذا لو قال القاضي الثاني: لن أسخِّر حكمتي للشر؟

وماذا لو قال القاضي الثالث: أفضل التقاعد فقيراً عادلاً على التقاعد غنياً ظالماً.

وماذا لو قال القاضي الرابع: قرّرت استدعاء جميع السياسيين ورجال الدين الذين لدي ملفاتهم وليهتزّ البلد، قضاة إيطاليا ليسوا أحسن منا.


نعم ماذا لو دب «مرض» وعي المواطنية والكرامة واللجوء إلى القضاء، قضاة ومواطنون يتآزرون لتحقيق الآتي:

a   السعي للطعن وإبطال قانون العفو (أو قوانين العفو) التي تميّز بين لبناني وآخر حيث يُمنع المواطن من ممارسة حق الإدعاء وتعطى الحماية للمعتدين.

a   السعي لإبطال خانة المذهب عن جميع السجلات الرسمية.

a   الإصرار على تطبيق قانون «من أين لك هذا»؟ وتطويره ليصبح أشد صرامة نصاً وتطبيقاً، بدءاً بالقضاة ذاتهم.

a   تعميق أسس حقوق الإنسان وإجراءات المحافظة عليها، فلا تنتهك إستثنائياً وبالدوام على يد الحكومات والمعارضين والموالين.

a   الإسراع بحسم القضايا العالقة وخصوصاً تلك التي يتنازع فيها سياسيون ورجال دين معتدون ومواطنون ينتظرون إحقاق الحق، وكذلك تلك التي تشتمل على اتهامات غير مسندة لرجال دين وسياسيين.

a   معاقبة كل فرد أو شركة (بصفة شخصية للمالكين) يسبب أحدهما أذى وإضراراً بالبيئة والمستهلك.

واللائحة تطول.

 

آياد بيضاء ونظيفة، ليس في إيطاليا فقط، بل وفي لبنان. لقد آن الأوان للقضاة الحكماء أن يقرروا، فإن فعلوا أنقذوا أنفسهم ولبنان، وإن لم يفعلوا يكونون أكثر سوءاً من سياسي لبنان.

 

نعم، القضاة بشر يعانون مثل الجميع:

الخوف من الإضطهاد، السعي لمركز أعلى، الطمع بالمال، اليأس من مستقبل لبنان أو كل هذه العوامل مجتمعة. أنستغرب هذا في مجتمع يُمجَدْ فيه أصحاب الثروات ويذلّ فيه العقلاء؟»

 

هذا ما جال في بالي، يقول القاضي أو القاضية، حين شاركنا في مأتم القاضي عبد الباسط غندور وفي ذكراه.»

 

الخيمة السابعة هي القضاء وهي إمّا أن تبقى تابعة للخيمة 6,5,4,3,2,1 والخيم الأخرى وإمّا أن تضيء شمعة فيشعّ نورها في لبنان.

نعم، قاض (ية) واحد (ة) (ت) يستطيع أن (ت) يضيء شمعة.

نعم، قاض واحد يستطيع أن يضيء شمعة، أو قاضية.

جواد نديم عدره



أترك تعليق