مشاركة

لا يكتمل مشهد المضارب اللبنانية دون زيارة سريعة، وربما غير ودّية، لخيمة «القطاع المصرفي»، قُدس سرّه. وسرّه يكمن في الهالة التي تَمكََّن اللاعبون معه وفيه من خلقها حوله. أهم شيء «ما يقربوا صوب القطاع المصرفي». ولكنهم «قربوا» ومنذ زمن، ولا حاجة هنا لنَكْء جراح انترا وغيره من المصارف في أواخر الستينات وكذلك في السبعينات والثمانينات والتسعينات، فـ «دود الخلّ منه وفيه»، كما هي الحال في معظم الأحوال. سياسيون شركاء في مصارف، ومصرفيون شركاء في الحكومات. سياسيون تعودوا مدّ اليد والاستدانة، ومصرفيون تعودوا توزيع الجوائز وتلقيها ، محتفلين بمديح أهل الخيمة 5 من مثقفين واقتصاديين وإعلاميين.

 

حكومة، قطاع مصرفي، وهيئة رقابة مصرفية وبنك مركزي، جميعهم في خدمة بعضهم البعض متضامنون متكافلون مع إعلام يتسابق على إعلاناتهم وينشر ميزانياتهم دون حسيب أو رقيب. مدققو حسابات عالميون ومحليون يعطون شهادات حسن سلوك لمصارف وشركات مالية ولمصرف مركزي لا يعلنون أرقامهم الحقيقية. شركات تصنيف تُصنِّف لبنان في درجة الخطر في وقت تمدح فيه «حكمة» القائمين على هذا القطاع.

 

قطاع يعلن أرباحاً تفوق 900 مليون دولار سنوياً ويوظف نحو 16 ألف شخص تمكَّن من كسب ودّ الجميع من رؤساء جمهورية ورؤساء حكومات وبرلمانات وأصحاب صحف وتلفزيونات. بنوك تنمو أرباحها والاقتصاد يتراجع. بنوك تنمو أرباحها في حرب تموز وقبل الإغتيالات وبعدها. سبحانها ما أعظم شأنها. بنوك تُعلن عن فروع هنا وهناك وحاجتها الى الفرع هي لجمع الودائع لتستمر في وظيفة أساسية وهي تسليف حكومات الهدر والفساد ونمط حياة إستهلاكي يفاخر به لبنان. ولا تحتفل المصارف فقط بأموال اللبنانيين في الداخل ومن المهجر، بل أيضاً بالأموال الخارجية التي تتدفق على الأحزاب والسياسيين. يستطيعون أن يقفلوا فروعهم ويُسلِّفوا الدولة من مكاتبهم الخاصة. لكنهم طيبون فهم يوظفون خريجي جامعات لبنان «حتى ما تهاجر أدمغته» ويجوجلون محصولات اللبنانيين ويُسلِّفونها حتى يستمروا.

 

اللبنانيون لا يعرفون أنّ نسبة عالية من دخل هذه المصارف وبالتالي أرباحها هي من التوظيفات لدى مصرف لبنان والدولة، ما يعني أن «اللبناني الشاطر» هو أيضاً فاجر وقد أكل مال المواطن والتاجر. وهكذا أظهر استطلاع أجرته الدولية للمعلومات في آذار 2005 أنّ معظم اللبنانيين يفاخرون بالقطاع المصرفي ويعتقدون أنّه يربح من تعبه.

 

إستهلكوا، أفسدوا، أهدروا حتى يستمر القطاع المصرفي. قطاع يُسلِّف حكومات مفلسة في دولة الكلّ فيها مفلس في عقله وذاكرته وخلقه وجيبه.

 

وحتى يتمكَّن هذا القطاع من تقديس ذاته تَمكَّن مع خبراء اقتصاديين وإعلاميين وسياسيين من ابتداع قاموس خاص به، لا يفكّ رموزه إلا الضالعين بأسرار الكهف والكهنوت المصرفي، فعلى سبيل المثال:

 

«إصدارات يوروبوند»: عبارة تستخدمها الحكومات ويروِّجها مصرف لبنان والمصارف الدائنة كعنصر مؤازر. وهي عملياً كمبيالات على الدولة بعملة أجنبية والجهة التي تطلب الكمبيالة مقابل (ما لها) هي المصارف اللبنانية وتحديداً نحو 7 مصارف.

 

«دين خارجي»: عبارة شبيهة بسابقتها تقصد الإيحاء أن الدول تُسلِّف لبنان لأنها تثق به، والحقيقة أن هذا الدين عائد للمصارف اللبنانية التي تُسلِّف الدولة لكن بالدولار الاميركي وليس بالليرة اللبنانية.

 

«احتياط مصرف لبنان»: عبارة عامة لا تعني ما توحي. فهي لا تأخذ بعين الاعتبار الإيداعات الإلزامية للمصارف ولا ودائع جهات أخرى ولا إلتزامات أساسية ومخاطر أخرى.

 

«إذا وقع القطاع المصرفي وقع لبنان»: عبارة تعني بالذات ما توحي، ولكن لا تشرح أيّ لبنان سيقع. فلبنان الذي «سيقع» هو لبنان الـ Cellular، و«أنت عارف مع مين مع تحكي».

 

«إرتفاع أسواق البورصة أو أسواق البورصات»: إشارة إلى احتفال مجموعة لا تتعدى نحو 10 شركات (قرارها يتحكّم به نحو 20 شخصية) بأرباحٍ أخذوها من ناسٍ معجبين بهم وفرحانين بفرحهم.

 

«المهم الثقة»: أنا مفلس وعيني على جيبك، ما دمت أنت تعتقد أنّي في وضع جيد فإنك ستستمر بتسليفي بحيث لا أُشْهِر أنا إفلاسي فتُفلس أنت.

 

«بنك (فلان) شريكك لشراء سيارة أو طاقة شمسية أو عملية تجميل»: بنك مزنوق مادياً ومعنوياً في مجتمع مزنوق وكلاهما يحب الزوزقة.

 

«سعر الفائدة»: عبارة لا تعكس الواقع، فسعر الفائدة المُعلَن لك «كدخل» لادخاراتك هو دائماً أقل مما تظن. وسعر الفائدة الذي تدفعه لاقتراضك هو دائماً أكثر مما تعتقد.

وهذا غيضٌ من فيض.

 

المطلوب أنْ نفكّ الرموز ونفهم أنّ الخيمة تحيي جميع الخيم من سنّة وشيعة ودروز وموارنة و«خبراء» اقتصاد وثقافة، فهي من دونهم تضمر وهم من دونها هباءٌ منثور. فحياة القطاع المصرفي من حياة لبنانـ«هم»، وجميعنا في الخدمة وتحت خيمتـ«هم» وخيمـ«هم» نعيش. وللذكرى دُمرّ لبنان في الحرب الأهلية وتحول الوسط التجاري في بيروت إلى ركام لكنّ شارع البنوك بقي واقفاً لوحده بين البرلمان والسراي المهدّمَين متحدياً الميليشيات جميعها أو بالأحرى متحداً معها وهكذا وقع لبنان وما وقع القطاع المصرفي. وحده القطاع المصرفي يوحد لبنان. عاش القطاع المصرفي ليعيش لبنانـ«هم». ويبدو أنّ أرز لبنان المعرّض للمرض والانقراض ليس هو الخالد بل القطاع المصرفي.

 

جواد نديم عدره



أترك تعليق