مشاركة

بقلم جواد نديم عدره

 

كان قد تنبّأ فور انتهاء الحرب الأهلية  بمجتمع مكوّن من فئتين: مستفيدون متسلطون، وفقراء مستضعفون. المتسلطون يقتسمون الغنائم عبر سنّهم لتشريعات تخدم مصالحهم الذاتية، ومخالفتهم لما لا يحقق هذه الغاية. أما الفقراء المستضعفون، فلهم الهجرة والإحباط والعوز والجريمة. لهم أن يقتتلوا كل فترة من الزمن، وأن يصنفوا في الولادة وفي الزواج وفي الموت مذاهب وعصبا خارجة على الله والإنسان.

 

قرأ استطلاعا يصنف الإجابات وفقا للمذاهب: كذا بالمئة مع القرار 1559 وكذا بالمئة ضده؛ كذا بالمئة مع الرئيس الحريري وكذا بالمئة ضده؛ كذا بالمئة كانوا ضد الرئيس كرامي واليوم معه وغداً من يدري؟ وكذا بالمئة يعيشون هاجس الحرب الأهلية. والإجابات تختلف، لا وفقاً لدرجة التعليم بل وفقاً للمذاهب. ولكنه وجد في حوزته أرقاما تتساوى فيها المذاهب وجعا:

a   350 ألف مهاجر وأكثر خلال 12 عاماً، ومن جميع المذاهب.

a   10 آلاف دولار أميركي لتسديد الدين العام حصة كل مواطن من جميع المذاهب.

a   250 ألف (أو أكثر) عاطل عن العمل من جميع المذاهب.

a   20 ألف خريج جامعي ومواطن يبحثون عن فرص عمل سنوياً، ومن جميع المذاهب.

a   500 مليون حبة مهدئ تستهلك سنوياً ومن جميع المذاهب.

a   400 قتيل في حوادث مختلفة عام 2003 من جميع المذاهب.

a    177 مليار ليرة عجز فرعي المرض والأمومة والتعويضات العائلية في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (عام 2004) والذي يستفيد منه اللبنانيون من جميع المذاهب.

وغير ذلك الكثير من تلوّث بيئي وانقطاع كهرباء وأزمات. هؤلاء هم المستضعفون الموحدون هماً، المفرقون مذاهب.

أما المستفيدون المتسلطون، ومن جميع المذاهب، فلهم:

a   3.5 مليون متر مربع من الأملاك البحرية.

a   4.5 مليون طن من النفط يحتكر استيرادها سنويا خلافا للقانون.

a   28 مليار دولار فوائد الدين العام للإثني عشر عاماً الماضية.

a   20 مليار دولار من الودائع في البنوك تعود إلى 0.5% من المودعين.

a   200 مليون دولار فقط ضريبة أرباح الشركات سنويا.

a   1.6 مليار دولار أنفقت لمهجرين، معظمهم لم يعد وبعض المقيمين لم يُهجّروا.

وغير ذلك الكثير. وهؤلاء موحدون اهتماما ومذاهب.

وتتقاطع الفئتان أحيانا، فإذا بالمتسلط المستفيد يتحول مستضعفا شاكيا وهنه وعجزه عن إدارة ما سلّط عليه. فالفائض في القطاع العام يبقى فائضا، وقانون الأملاك البحرية لا يصدر، وموضوع الوكالات الحصرية ينسى، ويستمر الإهدار، وترتفع فوائد الدين العام، وتتفاقم الجريمة. وكذلك يتحوّل الفقير المستضعف إلى متسلط فيمتنع أو يعجز عن دفع فواتير الكهرباء والماء وتسديد ما يتوجب عليه لدولة لا ينتمي إليها (ولا هي له)، كما تتوزّع الفئة الواحدة أحيانا فئات، فيكون أحدهم مستفيدا غير متسلط أو مستضعفا غير فقير.

وتشحذ الحراب، شيعة وسنة ودروزاً وموارنة وأرثوذكساً وكاثوليكاً، لحرب جديدة لمصلحة فئة لا يضيرها أن يقتتل المستضعفون ما داموا لا يتجاسرون على المسّ بها. ومرة أخرى الطائفية، ولمَ لا؟ ما دامت هي في سجل القيد وفي الوظيفة وفي السكن وفي الميراث.

أما من استقووا (وهم كثر) فيجلسون ويظلون متسلطين عاجزين.

وجد نظريته حول الفئتين ناقصة. فاتصل بأقرانه من رجال الأعمال والفكر والسياسة والذين يعلم جيدا أنهم ليسوا بمتسلطين ولا بمستضعفين. فتشاوروا  حول الأزمات والحلول واتفقوا أن عليهم فعل شيء وإلا انتهوا هجرة في الخارج أو ذوبانا في إحدى الفئتين. إنها الفئة الثالثة المعطلة الحركة، الكبيرة الاحلام.

ويتراءى له الجوع والمرض والجثث والتجهم في كل مكان.ويسمع تنهيدة ويرى دما ودمعا، فيتساءل ما المذهب؟ ما الفئات؟ ما المصير؟ انه وقت للتأمل والصلاة. بل إنه وقت العمل. فالعمل هو السيد وهو المذهب وهو المرجع.

 

نشرت النهار هذا المقال في 3 آب 2002، وتعيد الشهرية نشره، بعد تحديث الأرقام، لأن شيئاً لم يتغير، بل ساءت الأمور.



أترك تعليق