مشاركة

قبل موجات القمع السياسي والفكري، وقبل ان تخطفنا حفنة من الحكام ورجال الدين المتمردين والتابعين لهم على حد سواء، كنا ننتمي الى بلاد تسأل في العمق ولا تخشى الغوص فيه. وهكذا نسأل ما هي مكامن الخطأ فينا؟ لماذا نحن هكذا؟ فعبر الحوار والاجابة على هذا السؤال، محللين مشخصين ومحبين، سنتمكن كشعوب ومنطقة من النهوض في يوم من الايام.

كيف نفسر غياب المؤسسات في بلادنا؟ فلم نبنِ ولم نبقِ الا على مؤسسة العشيرة والطائفة. فجميع الشركات عائلية وجميع الانظمة عائلية وخلافاتنا، على مستوى الانظمة والحكام، تأتي بتفاهة خلافات العائلات في اصغر القرى والاحياء. كيف نفسر استمرار قمع هذه »القيادات« »لنا« وخضوعنا »لهم«؟ لقد كدنا نرى ايام الانتداب الفرنسي/ الانكليزي أفضل وننظر بحنين الى ايام العثمانيين حين كان اجدادنا يدرسون في دمشق ويركبون قطار الحجاز من حلب الى مكة دون تأشيرات وعراقيل.

نتأرجح كرقاص الساعة (أو البندول) من هنا الى هناك ونتبع الحاكم ونشتمه او نغتاله، نلحق بالغرب ونكرهه، نجد في قلبنا رحمة لأفظع الامور وننتقم لابسطها، نحاور بذكاء ثم نفاجىء نفسنا بتفاهتنا، نقود السيارة وكأننا في حرب، نكره ونحب في الوقت ذاته. كلها مشاعر انسانية يمر بها الجميع ولكن حين تمر بها بلاد بأكملها ولمئات السنين تصبح ظاهرة فريدة، او ظاهرة اللانظامية التي اشار اليها الدكتور منير خوري في استشهاده بدوركايم وذلك في كتابه »What is wrong with Lebanon«. الغربة، الاستسلام، العنف اليومي، الاحباط كلها مظاهر للحالة اللانظامية التي تتولد نتيجة الشرخ بين قيم الانسان وواقعه وحالة دولته التي تمنع عليه ممارسة هذه القيم، فتغيب الهوية ويضيع المستقبل ويصبح الماضي اضغاث خيالات نختلف فيه دون ان نفهمه واقعاً وحقيقة. لا تزال مسألة علي ومعاوية تثير فينا خلافات كأنها البارحة، ولا زلنا نختلف في تاريخنا فنعظم صلاح الدين محرراً للقدس وكأنه قائداً عربياً عصرياً (وهو الكردي المسلم) او نخوِّنه مشيدين بجنكيز خان كمسلم تقي. نحن لبنانيون، سوريون، عرب، عراقيون، سعوديون، مسلمون، مسيحيون، أرمن، أكراد، اشوريون، شيعة، سنة، موارنة وارثوذكس وغيرهم، ونحن كل هذا مجموع ومفرق، ولا شيء منه.

ثلاث اسباب رئيسية اوصلتنا الى ما نحن عليه،
اولاً - المسبب التاريخي: عدم انتقالنا من حالة المدينة - الدولة الى الوطن- الدولة، فلقد مثلت صور وسومر وابله واوغاريت وغيرها قمة التطور المدني في حينها لكننا رأيناها تضمر او تختفي بينما يتسع بعضها بشحنة طاقة قوية ليصبح امبراطورية. فلم تتمكن هذه المدن من التطور بشكل طبيعي بل تأرجحت كرقاص الساعة بين امبراطورية واسعة وبلدة صغيرة.
ثانياً - المسبب الجغرافي: لقد شكلت هذه المنطقة بثرواتها (بما فيها مؤخراً النفطية) وبموقعها عامل جذب للفتوحات والغزوات فتأرجحت كرقاص الساعة من الصليبيين الى الاتراك الى الحلفاء الى قيام دولة »إسرائيل« الى الغزو الاميركي الحالي للعراق.
ثالثاً - المسبب الثقافي: وتأتي الاديان اليهودية والمسيحية والاسلام لتشكل عواملاً تتجاوز السياسة لتصل الى عمق ضميرنا الجماعي فتكوّن او تغلّف نمط حياتنا عبر ادارتها لشؤوننا اليومية في رقصات الساعة ورتابتها.
ويأخذك رقاص الساعة من العصور الوسطى الى القرن الواحد والعشرين، ومن السلم الى العنف ومن اليأس الى الأمل في كل لحظة، فتدور الرؤوس وتبدو الامور مثقوبة مظلمة كدوامة. واذ بهذه الحالة تعطى شرعية من رجال السياسة حيناً ومن رجال الدين احياناً ودائماً بتداخل امور الدين والدولة بحيث تصبح هذه الدوامة قدراً لا يجروء احد على مقاومته. والرقاص يلعب بين الجغرافيا والتاريخ والثقافة (الاديان) فلا هوية ولا مؤسسات ولا قيادات.
فستتذكر الكلمات-النبؤة للرسول محمد بن عبدالله: »سيأتي يوم على امتي لا يبقى من القرآن الا رسمه ومن الدين الا اسمه، مشايخها شر من في الارض، الفتنة منهم واليهم تعود«.
وتتذكر المبدأ العلمي »كل رقاص يتجه الى الراحة« وراحة البندول أو الرقاص هي حالة الإتزان أو العقل. فنأمل أن يأتي يوم يهدأ فيه رقاص الساعة فيستقر على تاريخ نفهمه كشعب واحد، وجغرافيا نحافظ عليها وثقافة تنهض بنا كما نهضت بالعالم. أما آن لهذا الرقاص أن يتزِن؟

يتبع في العدد القادم

جواد نديم عدره



أترك تعليق