مشاركة

«إن خداع النفس في موضوع التاريخ ترف لا تستطيعه إلا المجتمعات الواثقة من وحدتها و تعاضدها أصلاً... أما المجتمعات المنقسمة على نفسها، فلا تتحمّل مثل هذا الترف. و إذا كان لها أن تصل إلى درجة التعاضد اللازمة لاستمرارها في الوجود، فإن الفرصة الوحيدة المتاحة أمامها هي فرصة التوصّل إلى معرفة حقيقة ماضيها، و فهم هذه الحقيقة بكاملها، و التكيّف مع واقعها إلى الحدّ الممكن.» كمال الصليبي

قرأ منذ الصغر عن «عظمة» الأمير فخر الدين الثاني في القرن السابع عشر ومحاولاته «توحيد» لبنان. وقرأ عن هؤلاء المعادين لهذا الأمير «العظيم»، وخاصة آل سيفا في عكار الذين حاولوا «عرقلة» مساعيه «وتعاملوا» مع العثمانيين. ورغم أنه تزوّج ابنتهم عنوة، فإنه اضطر أيضاً إلى القضاء على «بعضهم». وذهب الأمير إلى توسكانا (طبعاً لجلب المساعدة «لتحرير لبنان») وفقاً لما قرأه هذا الطالب في كتاب «تاريخ لبنان» المدرسي.

ومن الكتاب ذاته وفي القرن التاسع عشر، برز الأمير بشير الشهابي الثاني (أيضاً) كحاكم «عادل وقوي وباني لبنان الحديث».صحيح أن الأمير بشير اضطر إلى معاقبة خصومه، خصوصاً أولاد أخيه، وصحيح أنه «اضطر» إلى توزيع نشاط ابنيه ليتعامل أحدهم مع محمد علي والثاني مع العثمانيين، لكن الرجل كان «مهيب الطلعة»، حتى أنه «أرعد فرائص العثمانيين في اسطنبول» عندما ذهب إليها أسيراً.

ولكن ماذا عن القرن الثامن عشر؟ لماذا لم يذكر كتاب التاريخ أحداً، تساءل الطالب النجيب؟ وهذا ما دفع به إلى البحث ليس بنباهة فقط، بل بشك كبير أيضاً، متسائلاً: هل يعقل أن لا يكون في تاريخ لبنان آنذاك عظماء إلا أميران؟ وهل كان آل سيفا بهذا السوء؟ وماذا عن الأمير حيدر الشهابي، حفيد فخر الدين، والذي حكم خلال القرن الثامن عشر ولم يكتشفه كتاب التاريخ. هل كان لـ «النهج» و»الحلف»، أو «الكتلة» و«الدستوريين»، دورٌ في «اختراع التاريخ» ليكتفوا بالخلاف أو التوافق على أميرين؟ ولماذا عجّ وضجّ القرنان العشرون والواحد وعشرون بـ «أبطال» كثر و«خونة» أكثر؟

وراح يقرا أكثر في كتب أخرى «ليكتشف» أن الأميرين فخر الدين الثاني وبشير الشهابي الثاني لم يكونا كما خيّل لأساتذته. لم يحاولا بناء وطن، حتى إنهما لم يدّعيا هذا الشرف، ولم يذكرا إطلاقاً هذا الطموح في جلساتهما الحميمة مع عائلتيهما. لقد كانا رجلين وحيدين، مدّعيين، جريئين، وقد فعلا ما يفعل كل «سلطان»: إكسر خصمك، إركع أمام الأقوى، إرفع الضريبة، إرشِ وحاول أن تبقى على الكرسي. لم يسعَ فخر الدين لتوحيد لبنان ولا لتحريره، المسألة ببساطة أن صديقه الوزير في الاستانة توفّته المنية وجاء مكانه من «أوغر صدر» السلطان على الأمير، فهرب إلى توسكانا حيث كان ضيفاً، أو بالاحرى استخدم (دون أن يعرف على الأرجح أو العكس) لإيهام العثمانيين أن توسكانا تعدّ أسطولاً لغزو سورية (لبنان وفلسطين) بحيث لا يقوم العثمانيون أو بالتوجّه نحو توسكانا.

انتهى فخر الدين وحيداً، أسيراً ثم قتيلاً في اسطنبول، وفقد الكثير من أفراد عائلته الذين ذاقوا العذاب خلال حياته وبعد مماته. ولا تزال ثروة الأمير التي أودعها في «مصرف الرحمة» في توسكانا قابعة هناك. أما الأمير بشير فقد كان «يقتل» لا «ليعدل»، بل للتخلّص من خصومه مثل بشير قاسم وبشير جنبلاط وأبناء أخيه، فلاقى مصيره شريداً فقيراً في تركيا، التي صنعته ثم دمّرته.

ويُستذكر اليوم الأمير بشير لقصره في بيت الدين الذي بُني له، وفخر الدين لغابة الصنوبر التي ربما زرعت قبل عهده. لقد كانا لاعبان، ضعيفان، محنّكان، عادلان حيناً وقاتلان أحياناً، قريبان إلى القلب حيناً وشرسان أحياناً، جدّيان حيناً وهزليان أحياناً. كانا ببساطة يريدان الاستمرار على الكرسي ضمن لعبة دولية كبرى حاولا توظيفها لصالحهما فراحا ضحيتها. لكنهما «حكما» لبنان، أو مقتطعات منه ومن فلسطين وسورية فهنيئاً لهما ولأتباعهما ولأعدائهما!

جاء كل هذا إلى ذهنه عندما سمع زميلته تقول: «لن استخدم مطار رفيق الحريري الدولي حتى يعيدوا اسمه الأساسي»، ليجيب زميل آخر «انتظري مطار رينيه معوض الدولي (أيضاً) في عكار».

تذكّر آل سيفا وفكر أن هذا الحدث سيكون مفرحاً لهم لو كانوا أحياء اليوم، وعرف ما كان دائماً يشك فيه أن التاريخ، وخاصة في دول كلبنان، يحفل بأسماء كثيرة تظهر بصورة أبطال، وخونة، وقتلة، وقدّيسين، أو كل هذه الصفات منفردة ومجتمعة، بينما الواقع يقول أشياء أخرى.

وإذا كان لبنان، كما قال كمال الصليبي، لا يمكنه تحمّل خداع النفس في موضوع التاريخ، فهل يا ترى يمكنه تحمل مطارين؟

خداع النفس؟ طبعاً! مطاران؟ حكماً! مطارات أخرى؟ ربما! وإن غداً لناظره قريب

مع وفاة المؤرخ الدكتور كمال الصليبي، تعيد مجلة الشهرية نشر مقالة السيد جواد نديم عدره التي اقتبس منها بعضاً من كلمات الدكتور صليبي. وقد سبق ونشرت هذه المقالة في عدد الشهرية رقم 42 الصادر في آذار-نيسان 2007.

جواد نديم عدره



أترك تعليق