مشاركة

الوهم

اكتسب نابوليون بونابرت شهرة ومكانة واسعتين بفضل مهارته العسكرية وحنكته في التخطيط والتكتيك، لكنّ الامبراطور الفرنسي مازال حاضراً في ذهن الكثيرين لسبب أو بالأحرى سمةٍ أخرى ألا وهي قصر قامته. فهل صحيح أنّ «العريف الصغير» كان قصيرًا إلى الحدّ الذي يعتقده البعض، أم أنّ هذا الاعتقاد مجرّد خرافة تاريخية ساعدت القصص والروايات المغلوطة على تكريسها؟

الحقيقة

تمّت تسمية متلازمة الرجل القصير -المعروفة أيضًا باسم عقدة نابوليون- نسبةً إلى نابوليون بونابرت وتفيد هذه المتلازمة بأنّ قصار القامة عادةً ما يطوّرون عقدة نقص من قصر قامتهم يحاولون التعويض عنها بأساليب مبالغ فيها. وقد اعتقد كثيرون أنّ حملات بونابرت العسكرية وغزوه لأوروبا لم يكن إلا شكلاً من أشكال هذا التعويض عن عيبه الخلقي المتمثّل بقصر قامته. لكنّ واقع الأمر هو أنّ نابوليون لم يكن يعاني من قصر القامة كما يشاع، خصوصًا وفقًا لمعايير الطول التي كانت سائدة في عصره. 

يُعتقَد أنّ هذا الالتباس ناتج عن خطأ حسابي سببه الاختلافات بين وحدات القياس الفرنسية والانكليزية. لدى تشريح جثّة نابوليون على يد طبيبه الفرنسي فرانسيسكو أوتومارشي، وبعد موافقة أطباء بريطانيين على التشريح، سُجّل طول نابوليون على أنّه خمسة أقدام وإنشين 5’2’’ (1.57 مترًا)، الأمر الذي يرجّح أنّ يكون مصدر الالتباس. فالإنش الفرنسي في القرن التاسع عشر كان يبلغ 2.71 سنتيمترًا أي أطول بقليل من الإنش البريطاني البالغ حينها 2.54 سنتيمترًا. إذا اعتمدنا وحدات القياس الحالية، يبلغ طول قامة نابوليون نحو خمسة أقدام  وسبعة إنشات أي ما يقارب الـ 1.70 مترًا. قد لا يكون بالغ الطول وفقًا لمعايير هذا العصر، لكنّه كان يعدّ ذا معدّل طبيعي جدًّا وسط الفرنسيين في تلك الحقبة، لأنّ معدّل طول الرجل آنذاك كان خمسة أقدام وخمسة إنشات 5’5’’.

أمّا بالنسة إلى لقبه «العريف الصغير»، فهو لم يُنسب إليه لحجمه الصغير كما يُعتقد، بل لأنّ مكانته كانت ماتزال متواضعة قبل أن يذيع صيته إثر معركة لودي عام 1976 التي شكّلت منعطفًا في مسيرته وساعدت، حسب قوله، على إقناعه بأنّه متفوّقٌ على باقي الجنرالات.  والواقع أنّ هذا اللقب كان يستخدم على سبيل التحبّب والإعجاب لا الإهانة، لكنّ البروباغندا التي روّجها أعداؤه حاولت استغلال هذا اللقب للتعرّض له وتشويه صورته. ممّا لا شكّ فيه أنّ تواجد نابوليون وسط مرافقين وجنود أضخم منه حجمًا ساعد أيضًا على تسويق هذه المغالطة لأنّه كان يبدو قصيرًا بالمقارنة بمن حوله.

 



أترك تعليق