مشاركة
ديوان المحاسبة هو القضاء المالي في الدولة اللبنانية الذي أناط به القانون مهمة أساسية وهي الرقابة على انفاق المال العام ومكافحة الهدر والفساد في هذا الإنفاق في حال وجوده. لكن محاولات تجاوز القانون والتسويات والتفاهمات السياسية أطاحت بهذا الركن الأساسي من أركان الدولة وحولته إلى مجرد هيكل من هياكل الدولة المترهلة والمنحلة، وغابت عن تقاريره الإنجازات المهمة واكتفى غالباً بتوصيف الحالات وتعدادها من دون القيام بدوره الرقابي والقضائي الرادع والزجري، فقد أصدر في شهر آذار الماضي تقريراً واحداً تضمن أعماله عن 3 سنوات ماضية 2010 – 2011 – 2012. وحتى الآن لم يصدر تقريره عن العامين 2013 و2014 مع ما يعنيه هذا الأمر الرمزي من تراجع في العمل.
ديوان المحاسبة
أنشئ ديوان المحاسبة في العام 1952، وأناط به القانون مهمة السهر على الأموال العمومية، والأموال المودعة في الخزينة وهو محكمة إدارية تتولى القضاء المالي والرقابة الإدارية المسبقة.

تجاوز دور الديوان
على الرغم من وجود الكثير من النصوص القانونية التي تعطي الديوان صلاحيات واسعة في عمله حفاظاً على المال العام فان التوافق السياسي في مجلس الوزراء غالباً ما يطيح بقرارات الديوان وتحل موافقة مجلس الوزراء مكانها مهما بلغت المخالفات.

كذلك يعمد الوزراء والمسؤولون إلى تجزئة الصفقات لعدم إخضاعها لرقابة الديوان. إذ تخضع لرقابة الديوان المسبقة:
    صفقات اللوازم والأشغال التي تزيد قيمتها عن 75 مليون ليرة.
    صفقات الأشغال التي تفوق قيمتها 25 مليون ليرة.
    معاملات شراء العقارات التي تفوق قيمتها 100 مليون ليرة.
    معاملات المنح والمساهمات التي تفوق 15 مليون ليرة.

فتتم تجزئة هذه الصفقات لعدم إخضاعها للرقابة. وصدرت تعاميم عن رئاسة الحكومة منذ العام 1999 بعدم جواز التجزئة لكن الوزراء لم يلتزموا. واصدر رئيس الحكومة تمام سلام التعميم رقم 12/2015 تاريخ 23 حزيران 2015 إلى جميع الإدارات العامة بالتقيد بأحكام المادة 123 من قانون المحاسبة العمومية التي تنص على انه: «لا يجوز تجزئة النفقة إلا اذا رأى المرجع الصالح لعقد النفقة أن ماهية الأشغال أو اللوازم أو الخدمات المراد تلزيمها تبرر ذلك». وعدم اتباع طريقة تجزئة النفقات إلا في حالات الضرورة القصوى والمبررة وفي حالة لا يمكن معها توحيد الصفقة.

أعمال الديوان
في تقرير الديوان عن أعماله عن السنوات 2010 – 2011 – 2012 انه أعطى موافقة كاملة على 4303 ملفاً ورفض 509 ملفات وفقاً لما هو مبين في الجدول رقم 1.
 
 
شاهد الجدول كاملا
 
 















مخالفة مجلس الوزراء لقرارات الديوان
تنص المادة 41 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة «يبتّ مجلس الوزراء بالمعاملات التي تعرض عليه بقرارات معلّلة بعد الاستماع إلى رئيس الديوان، وعند مخالفته رأي وزير المالية أو قرار الديوان يقوم قراره مقام تأشير الديوان (أي موافقة الديوان) وتأشير مراقب عقد النفقات، وفي الحالتين يشار في المعاملة إلى قرار مجلس الوزراء».

وفي الأعوام 2010 - 2011 - 2012 اتخذ مجلس الوزراء 23 قراراً خلافاً لقرارات الديوان ومن دون الاستماع إلى رئيس الديوان في معظم هذه القرارات كما يفرض القانون.

والقرارات التي اتخذها مجلس الوزراء خلافاً لرأي الديوان:
    18 قراراً تتعلق بطلبات لوزارة الأشغال العامة والنقل منها: تأهيل طريق راشيا - بكفيا، تأهيل مبنى وزارة الزراعة في دورس (بعلبك) - تعبيد وتزفيت في جبيل والبترون - صيانة نفق المدينة الرياضية - إنارة طريق ضهر البيدر - عقود تنظيف شبكات مياه الأمطار - أشغال بناء جسر فوق نهر الغدير - تأهيل طريق عنايا واللقلوق - تأهيل طريق الحازمية - صوفر - بناء مدارس في الغابون - معالجة الانهيار الحاصل على طريق المعاملتين وساحل علما.

    طلب وزارة الداخلية الموافقة على قرار بلدية بيروت، ترميم وتأهيل الأرصفة وتزفيت الطرقات في بيروت.

    طلب وزارة الاتصالات الموافقة على التعاقد مع شركة ليبان بوست لبيع بطاقات التخابر المدفوعة سلفاً.

    3 قرارات تتعلق بطلبات من وزارة الشؤون الاجتماعية لتجديد عقود رعاية وتأهيل المعوقين، ورعاية الأحداث المعرضين للانحراف.

واللافت أن تقرير الديوان لم يحدد قيمة كل صفقة من هذه الصفقات التي رفضها ووافق عليها مجلس الوزراء كما كان يحصل في تقاريره عن السنوات السابقة، ويعتبر هذا انتقاصاً من قيمة وأهمية التقرير.

أسباب عدم الموافقة
اصدر ديوان المحاسبة خلال الأعوام 2010 - 2011 - 2012، 509 قرارات قضت بعدم الموافقة على الطلبات المعروضة عليه ومن ابرز أسباب عدم الموافقة:
    عدم الموافقة لعدم وضع دفتر شروط خاصة بالصفقة وعدم تنظيم عقد اتفاق رضائي ولتخطي قيمة الصفقة السعر التقديري الموضوع من قبل الإدارة.

    عدم الموافقة بسبب مخالفة أحكام دفتر الشروط الخاص بنظام المناقصات لا سيما المادة 33 منه ومما يحد من عنصر المنافسة.

    عدم الموافقة بسبب عدم توقيع دفتر الشروط من المرجع الصالح لدى البلدية ولان التلزيم والأسعار المعروضة مبنية على أسس غير سليمة.

    عدم الموافقة لمخالفة أحكام المادة 4 من دفتر الشروط الخاص التي تشترط التسجيل في الضريبة على القيمة المضافة وأن التلزيم يخفي توظيفاً مقنعاً في البلدية.

    عدم الموافقة بسبب إدراج بند في دفتر الشروط الخاص من شأنه الحد من المنافسة ولاحتمال وجود تواطؤ بين العارضين.

    عدم الموافقة بسبب الشك في إجراءات وصحة استدراج العروض مما يوحي بالتواطؤ.

    عدم الموافقة بسبب عدم جدية استدراج العروض لجهة الدراسة المشوبة بالكثير من الأخطاء والتصحيحات من جهة، ولجهة عدم تقديم المتعهد مستند أساسي بإثبات ملكية جبالة.

    عدم الموافقة لقيام لجنة التلزيم بالإخلال بمبدأ المساواة بين العارضين خلال قبولها بعروض مخالفة لأحكام دفتر الشروط الخاص ورفضها بعض العروض لأسباب غير جوهرية كان يمكن الطلب من العارضين تداركها.

    عدم الموافقة بسبب تجزئة الصفقة من دون تبرير التجزئة.


    عدم الموافقة لانتفاء السند القانوني ولاحتمال أن تكون الزيادة المطلوبة قد نفذت قبل عرضها على رقابة الديوان.

    عدم الموافقة لانتفاء السند القانوني حيث أصبحت زيادة الـ 15% دورية وروتينية في الكثير من صفقات البلدية ولأن الفترة القادمة تتخللها أخطاء وتطرح التساؤل عن الأعمال التي ستقوم بها الشركة في هذه الفترة.

المشاريع الممولة من الخارج
أفرد التقرير فصلاً خاصاً للمشاريع الممولة كلياً أو جزئياً بقروض خارجية متوقفاً عند عدة مسائل من أبرزها:

    إن إعطاء مجلس الإنماء والإعمار صلاحية عقد القروض الداخلية والخارجية، يعتبر تنازلاً من وزارة المال عن صلاحياتها إلى مؤسسة عامة ويؤدي إلى عدم ضبط حسابات القروض، وعدم تحديد هذه القروض بدقة. وخلص التقرير إلى ضرورة حصر القروض الخاصة بوزارة المالية ووزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية وذلك على ضوء الحاجات الفعلية للإدارات العامة بناء على تكليف من مجلس الوزراء، وان يقوم الوزير المختص برفع طلب الحصول على القرض وأسبابه مع دراسة جدوى إلى مجلس الوزراء.

    تبين من معظم اتفاقيات القروض أن إدارة المشاريع تتولاها جهات من خارج الإدارة ويتم التعاقد مع موظفين من غير موظفي الدولة ويتقاضون تعويضات ورواتب مالية تفوق بكثير رواتب موظفي الدولة. على الرغم من أن موظفي الدولة يمتلكون من الخيرات ما يؤهلهم القيام بالمشاريع المطروحة مع إمكانية الاستعانة بخبرات خارجية عند الاقتضاء وضمن شروط دقيقة، وان تكون مهمة هؤلاء واضحة وغير متعارضة مع مهام موظفي الدولة.

    لم تبين دراسة العديد من القروض أنها حققت الجدوى الاقتصادية لها من حيث تحسين عمل الإدارة ورفع إنتاجيتها وأورد مثالاً على ذلك القرض الذي حصلت عليه وزارة المالية في العام 1997 من البنك الدولي للإنشاء والتعمير بقيمة 19.9 مليون دولار واستتبع بقرض آخر في العام 2004 بقيمة 5.3 مليون دولار “لتنفيذ مشروع المساعدة الفنية لتطوير الإدارة المالية”. وعلى الرغم من قيمة القرض الذي من المفترض أن يكون قد حسن الإدارة المالية على مدى نحو 20 عاماً فقد عرضت وزارة المالية على ديوان المحاسبة مشروع عقد اتفاق رضائي بين وزارة المالية واحدى الشركات الخاصة للمساعدة في تحضير حساب المهمة وقطع الحسابات للسنوات 1993 وحتى 2010. ما يدل على أن الغاية المرجوة من اتفاقية القرض لم تتحقق.

    مشروع الإنماء التربوي في وزارة التربية والتعليم العالي الذي حصل على قرضين الأول بقيمة 44.6 مليون دولار والثاني بقيمة 40 مليون دولار. ويدير هذا المشروع فريق مؤلف من 11 شخصاً، ما يطرح السؤال حول دور موظفي وزارة التربية، ودور المركز التربوي للبحوث والإنماء باعتبار أن من صلب مهامه جميع المسائل التي تتعلق بتأهيل القطاع التربوي وتطويره، والأمر المهم هل ساهمت هذه المشاريع في النهوض بالتعليم الرسمي وماهي النتائج التي تحققت؟

    إبقاء المشاريع الممولة تمويلاً خارجياً خارج الرقابة المسبقة حتى لو لم يتجاوز التمويل الخارجي 20% من قيمة المشروع الإجمالية كما هو الحال مثلاً في البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لدعم عودة المهجرين إلى جبل لبنان بقيمة 1.650 مليون دولار القسم الأكبر منه (1.5 مليون دولار من الحكومة اللبنانية) مقابل 150 الف دولار من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي عمد إلى التعاقد مع الموظفين الذين لا يعملون في الدولة ويتقاضون تعويضات تفوق بأضعاف رواتب موظفي القطاع العام.

    يقوم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتنفيذ برنامج يتعلق بتقوية قدرات وزارة البيئة خلال الفترة 2010 - 2011 وقدرت مساهمة الدولة في المشروع بـ 1.4 مليار ليرة منها 425 مليون ليرة رواتب الموظفين والاستشاريين، وعلى الرغم من امتلاك وزارة البيئة “الموارد البشرية ذات التحصيل العلمي المتقدم والكفاءة العالية والخبرة” وفقاً لما جاء في تقرير للمدير العام للوزارة، ما يطرح السؤال حول جدوى الاستعانة بفريق عمل يتقاضى هذه المبالغ الضخمة.

إن تقرير ديوان المحاسبة الذي جاء متأخراً عدة سنوات عن موعده. ولم يحمل التفاصيل الكاملة عن عمله ومهامه، يعكس حالة الترهل المالي والإداري في الدولة لكنه يبقى أفضل من لا شيء. 

    عدم الموافقة لإعطاء المتعهد من قبل لجنة المناقصات مهلة إضافية لاستكمال نواقص جوهرية في الملف ولعدم كفاية التنزيل المقدم من الملتزم المؤقت وكذلك بسبب الفارق الكبير بين أسعار التلزيم السابق والتلزيم الحالي.

    عدم الموافقة لرفض عرض الشركة التي قدمت ادنى الأسعار وعدم إتاحة الفرصة أمامها لاستبدال نسخة الإيصال كما أتيح لغيرها من العارضين كما انه لم يتبين السند القانوني.

    عدم الموافقة على استدراج العروض بسبب احتمال تواطؤ حاصل بين شركتين من اصل العارضين الثلاثة ما يهدد احترام عنصر المنافسة.

    عدم الموافقة لعدم احترام مبدأ المنافسة في عملية التلزيم الناتج عن عدم مراعاة مبدأ المساواة بين العارضين وعن مخالفة أصول التلزيم وكذلك عن تجزئة الصفقة.

    عدم الموافقة لبقاء عارض وحيد وانتفاء عنصر المنافسة.

    عدم الموافقة لان المنافسة غير مؤمنة بسبب التواطؤ بين الشركتين العارضتين.

    عدم الموافقة بسبب ارتفاع الأسعار بشكل غير منطقي وبسبب عدم ثبوت زوال العوائق التي حالت دون تنفيذ المشروع الملزم سابقاً في العام 2004.


أترك تعليق