مشاركة

من هذا المنطلق، تمّ امتحان الفحص الحوضي التقليدي لمعرفة إذا ما كانت منافعه تفوق أضراره. يتمّ الفحص الحوضي في أربع خطوات، الأولى منها تكون عبر تفحّص الأعضاء التناسلية الخارجية بحثًا عن تقرّحات، أوتآكل أو سرطانات أو ثآليل أو أي ما يشير إلى التهابات أو إلى انقطاع الطمث. الخطوة الثانية هي استخدام المنظار المهبلي بغية تفحّص عنق الرحم وإجراء فحص الزجاجة. أما الخطوة الثالثة فهي الفحص اليدوي الذي يقوم خلاله الطبيب بتحسّس المبيض والرحم وقنوات الرحم والقولون والمثانة، إلخ، ويُعمد أخيراً إلى فحص الإفرازات المهبلية تحت المجهر واستخراج عينات منها لفحص الأمراض المنتقلة جنسيًا ويمكن للمرأة أن تقوم بهذه الإجراء بنفسها عن طريق استخدام المسحة المهبلية. 
يعدّ الفحص الحوضي إجراءً إجباريًا لدى النساء اللواتي يظهرن أعراضًا معينة وهو يساعد على الخلوص إلى تشخيص دقيق، لكن ماذا عن النساء اللواتي لا يظهرن أيّة عوارض؟ هل من المنطقي البحث عن أمراضٍ لدى نساء هنّ على خير ما يرام ولسن عرضةً لخطر الإصابة بسرطانات أو أمراض متنقلة جنسيًا؟  هل تحتاج مثل هذه النساء إلى فحص حوضٍ سنويٍّ وكامل على الرغم من الإزعاج والمشقّة والكلفة والأضرار المحتملة لهذا الفحص؟

لا يُخفى الأذى المحتمل من الفحص الحوضي على أحد وهو يشمل القلق، الشعور بالإحراج، الإنزعاج، الألم، النتائج الإيجابية المغلوطة، المبالغة في التشخيص، المبالغة في العلاج، الإطمئنان الزائف، وخطر الإصابات خلال العملية. هذه الأضرار تصيب ثلث النساء على الأقل وهي سبب مشترك آخر لتجنّب الفحوصات الصحية النسائية، ما يؤدي بدوره إلى عواقب وخيمة أخرى. 
أما منافع هذا الفحص فليست واضحة بقدر وضوح أضرارها وفي طليعة هذه المنافع فحص لطاخة باب (فحص الزجاجة) الذي سبق أن تطرّقنا إليه في مقال بعنوان “ فحص سرطان الرحم” في عدد الشهرية لشهر آذار 2014. لكن في حال معظم النساء اللواتي يرتبطن بزوجٍ واحد، أي لسن عرضةً للإصابة بأمراض منتقلة جنسيًا، ولا يظهرن أيّ أعراضٍ تذكر، يوصى بإجراء فحص الزجاجة مرّة كلّ ثلاث سنوات في حال لم يترافق مع أي فحص آخر أو مرّة كلّ خمس سنوات في حال ترافق مع فحص الكشف عن فيروس الورم الحليمي البشري. يبقى السؤال، هل تحتاج أولئك النساء لإجراء فحوصات الحوض السنوية خلال الفترة الفاصلة بين فحوصات الزجاجة والمتراوحة بين 3 إلى 5 سنوات؟ تنفي الدراسة الحديثة لبلومفيلد وغيره الصادرة عن كلية الأطباء الأميركية أن يكون هنالك حاجة إلى ذلك.  

بالإضافة إلى ذلك، اتّضح أن الفحص اليدوي لدى إجراء فحص الزجاجة غير ضروري ومضرّ هو الآخر، وهذا الضرر يتأتّى من الألم والعناء الناتجين عن الفحص بكلا اليدين ومن النتائج المحتمل أن تستدعي دراسات أو جراحات أخرى. وقد بيّنت الدراسات أن الفحص اليدوي للكشف عن سرطان المبيض لا يجدي نفعًا وأضافت أنّه على الرغم من التطوّرات العلميّة الحديثة، ما من فحص موثوق يمكن الاعتماد عليه للكشف عن سرطان المبيض، حتى أنّ فحص منطقة الحوض باستخدام تكنولوجيا الموجات فوق الصوتية، والذي يعدّ أكثر دقّة من الجسّ اليدوي، أخفق في تخفيض الوفيات الناتجة عن سرطان المبيض.  
هل الفحص الحوضي ضروري قبل إعطاء وسائل منع الحمل الهرمونية؟ الإجابة هي مجدّداً “كلا” خصوصاً أن اشتراط إجراء فحص الحوض قد يخيف النساء من استخدام وسائل تحديد النسل، ما قد يعرّضهن لمخاطر الحمل غير المرغوب به. 
نظراً لعدم حاجة النساء ما دون ال21 من العمر والنساء ما فوق الـ 65 أو النساء اللواتي فقدن عنق رحمهنّ إلى إجراء فحص الزجاجة إذا ما كان احتمال إصابتهن بسرطان الرحم منخفضًا، هل من حاجة إلى إخضاعهنّ لفحوصات الحوض السنويّة في حال لم يظهرن أي أعراض أو حاجات خاصّة؟ مجدّدًا، الإجابة هي “كلا”. 
تنظر النساء البدينات إلى فحص الحوض بالكثير من القلق والإحراج ما يدفع بهنّ إلى تأجيل أو تفادي الرعاية الصحية النسائية بأكملها، لكنّ هذا المفهوم لن يشكّل عائقًا أمام الرعاية الصحية حين تدرك النساء البدينات أن فحص الحوض لن يكون جزءً أساسيًا من زيارتهّن الطبية الأولى.
 
باختصار، إن تقييم منافع وأضرار فحوصات الحوض لدى النساء غير الحوامل واللواتي لا يظهرن أيّ أعراضٍ تذكر، أي لسن عرضةً للإصابة بأمراض منتقلة جنسيًا أو سرطانات نسائية، يرجّح كفّة الأضرار على المنافع. على الرغم من ذلك، لا زال الأطباء يعتقدون أن فحص الحوض مكوّن أساسي من الزيارة الطبية السنوية . ما لم تتخّذ النساء قرارًا استباقياً عبر التسلّح بالمعرفة والتفسير لأطبائهنً ميولهنّ الشخصية.

يشتهر فولتير بقوله "أحب المرء الذي يسعى إلى الحقيقة ولكني أمقت من يدّعي أنّه وجدها." في هذا السياق، ينبغي علينا أن ننظر بذهن منفتح وأن نسلّم بالأدلّة الجديدة وإن كانت مناقضة لمعتقداتنا، فنظهر استعدادًا لتغيير مواقفنا مرارًا وتكرارًا كلّما تغيّرت الأدلّة. إن التشبث بعقائدنا أو الادّعاء بأننا وجدنا الحقيقة المطلقة منحدر محفوف بالخطر تفوق أضراره منافعه.
 



أترك تعليق