مشاركة
السفر

في الفترة مابين 16-18 تموز 1978 كان الإمام الصدر في زيارة إلى الجزائر حيث التقى الرئيس هواري بومدين الذي اقترح على الصدر زيارة ليبيا للبحث مع المسؤوليين الأوضاع في لبنان في ضوء تصاعد أعمال العنف والحرب، وفي سبيل تحقيق هذه الزيارة اتصل عصام مكي من قبل الإمام الصدر بسفارة ليبيا في الجزائر معبراً عن رغبة الإمام بزيارة الجماهيرية الليبية، وفي اليوم التالي أبلغ بالموافقة على الزيارة لكن الإمام ارتأى تأجيلها إلى 25 آب وقد تم ترتيب الزيارة من خلال السفارة الليبية في بيروت. وفي هذا الموعد وصل الصدر ومرافقوه إلى طرابلس الغرب لكن وسائل الإعلام الليبية تجاهلت خبر وصوله (وهي عادة تورد أخبار المدعوين الرسمين من هم أدنى موقعاً من الصدر) كما أن أحداً من اللبنانيين الموجودين في ليبيا في تلك الفترة للمشاركة في احتفالات ثورة الفاتح من أيلول (الانقلاب الذي أوصل معمر القذافي إلى السلطة) لم يشاهد الإمام الصدر ومرافقيه بعد 31 آب.
 

الموقف الليبي

بعد بيان المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لزمت السلطات الليبية الصمت لمدة خمسة أيام لتعلن رسمياً بعد ذلك أن "الإمام الصدر من الشخصيات الإسلامية الكبيرة وزعيماً للطائفة الشيعة الإسلامية في لبنان وتربطه بالجماهيرية علاقات متينة وقد زار الجماهيرية مرات عدة من قبل، وأن الإمام وصل يوم 25 آب إلى طرابلس وهو غادر إلى روما على رقم الرحلة 881 تاريخ 31 آب 1978."
 

ماذا في الواقع

استناداً إلى التحقيقات التي أجريت من قبل السلطات اللبنانية والايطالية  تبين الوقائع التالية:
في 25/8/1978، توجه الإمام ورفيقاه إلى ليبيا وبوصولهم أنزلوا في فندق الشاطئ في العاصمة طرابلس الغرب.

التقى الإمام ببعض الشخصيات اللبنانية المدعوة للمشاركة في احتفالات الثورة الليبية في الأول من أيلول ومنهم السادة طلال سلمان ومنح الصلح وبشارة مرهج وأسعد المقدم ومحمد قباني وبلال الحسن.

الملفت للنظر أن وسائل الإعلام الليبية تجاهلت زيارة الإمام ورفيقيه منذ وصولهم حتى أن القائم بالأعمال اللبناني السيد نزار فرحات علم بقدومهم إلى ليبيا بعد اتصال السيد عباس بدر الدين به بتاريخ 28/8/1978 (أي بعد 3 أيام).

في 28/8/1978، قام القائم بالأعمال اللبناني نزار فرحات بزيارة الإمام الذي أبلغه ان بقاءه في ليبيا يتوقف على تحديد مواعيد لبعض المقابلات وإلا فهو سيسافر إذا قيل له إنها لن تتم.

في 29/8/1978، ترأس القذافي لقاء حول الكتاب الأخضر حضره بعض المدعوين اللبنانيين دون الإمام ورفيقيه، واستمر اللقاء إلى ما بعد منتصف الليل ولما عادوا علموا بأن القذافي كان قد حدد موعداً في تلك الليلة للقاء الإمام ثم ألغى الموعد عند منتصف الليل وطلب منه انتظار تحديد موعد آخر.

مساء 30/8/1978، أقام القائم بالأعمال اللبناني السيد نزار فرحات إفطارا على شرف الإمام ورفيقيه وبعض المدعوين، وبعد الانتهاء استأذن الإمام للمغادرة وعاد إلى الفندق بسيارة أجرة لأنه كان ينتظر مخابرات هاتفية أو دعوة لمقابلات رسمية مكررا أنها يمكن أن تأتي في أي لحظة، وبدا على الإمام الإنزعاج لمرور خمسة أيام على وصوله إلى ليبيا دون التمكن من إجراء المقابلة مع القذافي.
صباح 31/8/1978، أبلغ الإمام الصحافي أسعد المقدم بأنه سوف يغادر لأن المقابلة لم تتم، إلا أنه وعند الظهر شاهد أسعد المقدم الإمام ورفيقيه يغادرون الفندق وفهم من عباس بدر الدين أنهم متوجهون لمقابلة القذافي، وكانت هذه آخر مرة يشاهد فيها الإمام ورفيقاه. وتبين ان الإمام الصدر ورفيقيه التقوا فعلاً العقيد معمر القذافي بعد ظهر يوم 31-8-1978 وأن اللقاء لم يكن ودياً بل كان عاصفاً جداً بسبب التباين في الآراء السياسية والدينية، الأمر الذي دفع بالعقيد القذافي لأن يقول لمساعديه خذوهم ومنذ تلك اللحظة اختفت آثار الإمام ورفيقيه.
بعد ظهر 31/8/1978، حضر السيد نزار فرحات إلى فندق الشاطئ فلم يجد الإمام ورفيقيه.

مساء 31/8/1978، حضر السيد فرحات ثانية وحاول الاتصال هاتفيًا بغرف سماحة الإمام ورفيقيه دون جدوى.

صباح 1/9/1978، حاول الاتصال مجدّدا فأبلغ من العاملين في الفندق بأنهم غادورا.

على خلاف العادة لم يتلق المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أي اتصال من سماحة الإمام رغم مرور عدة أيام على مغادرته لبنان الأمر الذي ولد انطباعًا بأن هنالك أمرًا ما، فتم الاتصال بفخامة رئيس الجمهورية الرئيس الياس سركيس وبدولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور سليم الحص.

حاول الرئيس سركيس مراراً الاتصال هاتفياً بالعقيد القذافي ولم يتمكن من ذلك.

اتخذ قرار بإيفاد أمين عام مجلس الوزراء الدكتور عمر مسيكة مع ضابطين من الشعبة الثانية الرائد (في حينه) نبيه فرحات والملازم (في حينه) نصوح مرعب للتوجه إلى ليبيا.

ماطل القائم بالأعمال الليبي محمود بن كورة في منح الوفد تأشيرة الدخول إلى ليبيا إلى أن منح التأشيرة فقط إلى الدكتور عمر مسيكة الذي توجه إلى ليبيا بتاريخ 14/9/1978 وقابل عدداً من المسؤولين الليبيين، في حين ماطل رئيس الوزراء الليبي عبد السلام جلود في تحديد موعد له، الأمر الذي حمل الدكتور عمر مسيكة على التهديد بمغادرة ليبيا مما استدعى تحديد موعد له مع جلود الذي استغرب أن يكون أحد قد خطف الإمام ورفيقيه ووعد ببذل المساعي، ثم أبلغ الدكتور مسيكة بأن الإمام ورفيقيه غادورا إلى ايطاليا على متن طائرة تابعة لشركة اليطاليا في الرحلة 881 من مساء 31/8/1978 وتحديدا الساعة 8,30، وأن سفرهم كان مفاجئاً لأنهم لم يبلغوا أي مرجع رسمي بذلك.

وفي الوقت نفسه، وبعد رفض القائم بالأعمال الليبي منح الضابطين فرحات ومرعب تأشيرة الدخول إلى ليبيا توجها إلى إيطاليا لمواكبة التحقيقات التي ابتدأت في 20/9/1978 في مرحلة أولى وفي 23/9/1981 في مرحلة ثانية في حين أن ليبيا لم تفتح التحقيق في هذه القضية إلا بعد مرور أكثر من سنة وتحديدا في 3/11/1979.
بينت نتيجة التحقيقين القضائيين في إيطاليا أن الإمام ورفيقيه لم يحضروا إلى روما وأن الأشخاص الذين استخدموا ثيابهم وجوازات سفرهم هم مزيفون.


ماذا في تفاصيل التحقيق الايطالي

التحقيق في الفندق بتاريخ 1/9/1978:
دخل شخصان إلى فندق “هوليداي إن” وعرفا عن نفسيهما الإمام موسى الصدر والشيخ محمد يعقوب، وأن أحدهما يرتدي زياً دينياً، أعطيا غرفتين مجاورتين رقم 701 و 702 ودفعا الحساب سلفا لمدة أسبوع.
صعدا إلى الغرفة ونزلا بعد عشر دقائق وغادرا ولم يعودا، ولاحظ موظفو الفندق أن من دخل مرتديا ثيابا دينية خرج بثياب مدنية وكان بدون لحية وبلا شاربين.

عرضت صور الإمام والشيخ يعقوب على العاملين في الفندق فنفوا جميعا أن تكون أوصاف الإمام والشيخ وخاصة لجهة طول القامة مطابقة على أوصاف من شوهدا في باحة الفندق أو عند صعودهما إلى الغرفتين.

نفى طاقم الطائرة أن تكون الرحلة 881 من طرابلس الغرب إلى روما بتاريخ 31/8/1978 قد أقلت شخصًا له مواصفات وملامح الإمام.
نفى راكبان على الرحلة ذاتها أن يكونا قد شاهدا شخصا يشبه الإمام أو له مواصفاته.
 

التحقيق مع الأمن العام في مطار روما

نفى المولجون بالتدقيق في جوازات السفر مساء 31/8/1978 أن تكون صورة الإمام ورفيقيه مطابقة لأي من الأشخاص الذين تم التدقيق في جوازات سفرهم تلك الليلة. كما تبين أن شخصا انتحل هوية عباس بدر الدين وأبرز جواز سفره أمام الأمن العام عند الساعة 23,35 من ليل 31/8/1978 وصرح بأنه سوف ينزل في فندق “سانلايت” ولم يثبت أنه توجه إلى ذلك الفندق. لاحقا عثر العاملون في فندق “هوليداي إن” على جوازي سفر سماحة الإمام وفضيلة الشيخ في إحدى الغرفتين، وتبين أن تلاعبا حصل في جواز سفر الإمام الدبلوماسي. كما تبين من تفحص الحقائب أن الوثائق الخاصة بالإمام وثيابه وأغراضه الخاصة قد اختلط بعضها مع ثياب رفيقيه فضلا عن العثور على ثياب لا علاقة للإمام ولرفيقيه بها، وعثر في إحدى الحقائب على ساعة يد الإمام الصدر وقد كسر زجاجها وانتزع منها الطوق وهي معطلة. 
 



أترك تعليق