مشاركة

إنَّ الانفتاح على مُختلف الثَّقافات والحضارات ضرورة لتنمية الفِكر؛ فلولا انفتاح الشّعوب بعضها على بعض لما تمكّنوا من إقامة التَّكامل الصِّناعيّ الَّذي يجمع كلّ صناعات الشّعوب وثقافاتها. فغالبيَّة الصِّناعات الكُبرى والهامَّة هي وليدة هذا التَّكامل؛ إذ من المُتعذَّر على شعب واحد، مهما كان ذكيًّا، أن يصل بمُفرده إلى أعلى مُستويات التِّكنولوجيا والتَّطوُّر؛ وهذا يُؤكِّد أنَّ الانفتاح حاجة ماسَّة للتَّقدُّم. أضف إلى ذلك، إنَّ انغلاق الشُّعوب على حضاراتها يحدّ من معارفها، ومن إدراكها ما يدور حولها، بسبب تركيز جُلّ تفكيرها على الدّاخل، وعدم الاهتمام بما يُحيط بها. فالحاجة إلى الانفتاح هي الَّتي دفعت بالجميع إلى التَّهافُت على المُنتجات الصِّناعيَّة الغربيَّة. ونادرًا ما يخلو منزل من الأدوات الكهربائيَّة، كالتِّلفاز، والبرّاد، والرّاديو، وغيرها من الأجهزة الحديثة، مع الإشارة إلى أنَّ الجهة المُخترعة تُصنِّع هذه المنتجات وتُصدِّرها، لتستفيد بها الشُّعوب كلّها.

لهذه الأسباب، وللكثير غيرها، يجدر بالإنسان الاهتمام بالحضارات الأخرى، والانفتاح عليها. بيد أنَّ ذلك لا يعني، كما قلت آنفًا، انجرافه وانسياقه بشكل أعمى نحوها، على حساب حضارته الأمّ. فهذا من شأنه أن يقوده تدريجيًّا إلى نبذه حضارته هذه، والتَّنازل عن هُوِّيَّته، وبالنَّتيجة، عن وطنه.

على المرء إقامة التَّوازُن ما بين حاجته إلى الانفتاح، وواجبه في المُساعدة على استمرار حضارته وتطوّرها. فالحفاظ على الشَّخصيَّة الحضاريَّة حفاظ على الذّات الإنسانيَّة؛ فإذا تخلّى عنها الإنسان، يكون قد تخلّى عن جوهر حياته، واقترب من موته الفكريّ والإبداعيّ؛ عندها، يُصبح فردًا منبوذًا من حضارته من جهة، ومن الحضارة الأخرى الَّتي يُحاول التَّعلّق بها، والتَّأقلم مع مظاهرها.

ليس المطلوب منّا أن ننبتَّ من جذورنا، بل المطلوب أن نتفهَّم حضارات الآخرين، ونتفاعل معها، ونأخذ منها الأفضل والأنسب لنا، لأنَّ من شأن ذلك أن يقودنا إلى الارتقاء والوصول إلى أعلى درجات التَّقدُّم والتَّطوُّر.

أحمد المنّاوي

الصَّفّ الثّاني عشر علمي - المدرسة الأهليَّة



أترك تعليق