مشاركة

يقتضي مفهوم الأمّة وجود إرادة مشتركة للتعايش معاً، وتاريخاً مشتركاً ودولةً مركزيةً قادرةً يمكن للشعب التماهي معها. لكنّ نشوب الحروب والنزاعات بصورة مستمرّة يعقّد إمكانية نشوء الأمّة في لبنان.

وهكذا، عوضاً عن الالتقاء حول تاريخٍ وطنيٍّ جامعٍ، يتشرذم المجتمع اللبناني إلى مجموعات طائفية متنافرة لكلً منها أبطالها وشهداؤها وأعداؤها، وأسوأ ما في الأمر هو عدم ثقة هذه المجموعات في الدولة وجهازها ومؤسساتها. أمّا الحكومة، فلدى اللبنانيين ارتيابٌ مماثل من أدائها خصوصاً أنّه ما من نظام انتخابي وتمثيلي حقيقي تتمّ فيه معاملة اللبناني كمواطن ذي حقوق وواجبات تجاه مجتمعه، وغالباً ما يتخّذ توصيفه طابعاً طائفياً ومذهبياً.

خلافاً لواقع الأمر في البلدان الأخرى، تتنافس الهويّة اللبنانية مع هويّات أخرى هي طائفية في معظم الأحيان. وحين يطرح السؤال «هل تشعر بأنّك لبناني؟»، نادراً ما تأتي الإجابة جازمةً وحازمة.

في الواقع لا ينظر اللبنانيون إلى أنفسهم كمواطنين متفرّدين ينتمون إلى لبنانهم بل كأعضاء في فئات طائفية جماعية أو أفراد يؤمنون بالأمة العربية ككلّ، وتجدر الإشارة هنا إلى أن لبنان يعترف دستورياً بوجود ثماني عشرة طائفة مختلفة. بمعنى آخر، قلّة قليلة هي الشريحة التي تشعر بالانتماء إلى لبنان فحسب لأن الأغلبية الساحقة تتماثل مع مفاهيم ومعتقدات ومصالح كيانات أخرى. وفي حين يتعلّق البعض بالقوميّة العربيّة، ينكر آخرون هذا الرابط ويجاهرون بأنهم من أصلٍ فينيقيٍ لا يمتّ للعادات العربيّة بأية صلة. ان انشغال الزعماء في لبنان بطوائفهم ومطامعهم الضيّقة يجعل منهم العائق الأكبر في وجه بناء دولة حقيقية.

من جهة، يأتيك الخطاب الذي يشيد ببطولات اللبنانيين وقدرتهم على الانتفاض من بين رماد الحروب الدامية فيمجّد بصلابة هذا المجتمع ولائه لارضه وجذوره، أما من الجهة الثانية، فهنالك نزعة واضحة إلى النظر إلى الغرب على انّه اكثر تفوّقاً وأرفع مقاماً.

ثانياً، يعتقد الكثيرون مغالطةً أنّ لبنان بلدٌ متعدّدٌ ثقافياً كونه يحتضن عدداً كبيراً من الطوائف والمذاهب، ولكن لا بد من تصحيح سوء التصوّر هذا، لأن لبنان واللبنانيين يتشاركون ثقافةً واحدة. ومهما كانت خلفياتهم الدينية والمذهبية، إلا أنّ جميعهم يستمع إلى فيروز ويمارس النشاطات الترفيهية نفسها، ويقصد الأماكن نفسها، ويقرأ مؤلفات جبران ويتابع المسلسلات التركية ... على الرغم من تعدّد مشاربهم ومذاهبهم، البنانيون شعبٌ واحدٌ موحّدٌ ثقافياً وهذا ما يميّزهم عن غيرهم من المجتمعات الشرق أوسطية.

ختاماً، ينبغي على اللبنانيين المفاخرة بكونهم نموذجاً متفرّداً في هذه المنطقة وإن كان وللأسف فساد الحكم عاملاً في تعزيز الانقسامات والتشرذمات وتأخير نشوء الدولة وتحقيق الوحدة. إن عدم الاعتراف بلبنان لا يأتي وللأسف من المجتمع الدولي فحسب، بل من قادته وزعمائه في الداخل. 



أترك تعليق