مشاركة

مع تطوّر التعليم الخاص في لبنان، بدأت المدارس الرسمية تفقد تدريجياً العناصر والمكوّنات التي ترتكز عليها المؤسسات التربوية المرموقة، الأمر الذي انعكس تراجعاً في الإقبال عليها. أشار تقرير صادر عن وزارة التربية والتعليم العالي أنّ نسبة المسجلّين في المدارس الرسمية بلغت 32% من مجمل الطلاب في لبنان للعام الدراسي 2008-2009. أما الأرقام الصادرة عن المركز التربوي للبحوث والإنماء للعام 2010-2011 فأفادت أنّ عدد المسجلين في المدارس الخاصّة بلغ 504,024 طالباً مقابل 276,119 طالباً في المدارس الرسمية و125,728 طالباً في المدارس الخاصّة المجانية. والأمر سيّان في القطاع الجامعي إذ استحوذت الجامعة اللبنانية على 37.7% فقط من مجمل المتخرّجين للعام الدراسي عينه في حينٍ اختارت الأكثرية الساحقة (62.3%) القطاع الخاص.

وقد كان لسوء الإدارة في قطاع التعليم الرسمي عواقب وخيمة فوفقاً لوزارة التربية والتعليم العالي، 54.5% من أساتذة المدارس الرسمية لا يحملون شهادات جامعية، وهذا مؤشّر على رداءة نوعية التعليم التي يتلقّاها الطلاّب، والتي تترجم ارتفاعاً في معدّلات الرسوب. ويشير التقرير نفسه إلى أنّ المدارس الرسميّة تسجّل معدّلات رسوبٍ أعلى من المدارس الخاصّة في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة تبلغ 60% و40% على التوالي. وتنخفض هذه المعدّلات في المدارس الخاصّة إلى 45% و24%.

ويجوز ربط الكثير من مواطن الضعف هذه بكيفية توزيع الموارد المالية في هذا القطاع. ففي العام 2009، تمّ تخصيص 7.23% من النفقات العامة للتربية والتعليم، وهي نسبة ليست بمنخفضة، لكنّ نحو 20 % فقط منها ينفق على الجامعة اللبنانية، ممّا يعني أنّ الموارد المالية التي تضخّ في هذا القطاع ليست تترجم على الأرض كما ينبغي.

بيّن أحد التقارير الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية بعنوان “نحو دولة المواطن” أنّه على الرغم من أنّ 30% من الطلاب ينتمون إلى فئات متوسّطة إلى منخفضة الدخل، يتلقّى هؤلاء 9.6% فقط من تخصيصات الحكومة، كما أنّه أشار إلى أنّ 90% من أبناء أساتذة القطاع الرسمي يقصدون المدارس الخاصّة وهذا يعادل نحو 20% من الإنفاق العام الذي يخصّص منحاً لهؤلاء.

المشكلة إذاً ليست في التمويل وإنّما في غياب الأنظمة والقوانين التي تنظّم إدارة المدارس الرسمية. لمعالجة هذه الأزمة، بادرت وزارة التربية والتعليم العالي إلى إدخال إصلاحات إدارية وتنظيمية تناولت قواعد ومعايير جديدة لتوظيف المدراء والأساتذة لضمان مستوى عالٍ من الكفاءة، كما عمدت إلى إدخال تدابير معلوماتية جديدة وإلى تحديث الإدارة بشكلٍ عام. وفي محاولةٍ لمعالجة أزمة الرسوب، اختارت الوزارة مئة مدرسة ابتدائية تسجّل نسب الرسوب الأعلى وأمّنت أساتذة مؤهّلين لإعطاء دروس تقوية للطلاب. ومن المتوقّع أن تنقشع نتائج هذه المساعي المبذولة مستقبلاً.

إن الآثار البعيدة المدى للاتجاهات السائدة اليوم في القطاع التربوي تستدعي إصلاحاً شاملاً للطريقة التي تتمّ فيها إدارة هذا القطاع. لا يمكن الاستهتار بالآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذه الاتجاهات خصوصاً أنّ صرف الأموال على قطاع يخرّج دفعات دون المستوى المطلوب من شأنه تأخير الاقتصاد، كما أنّه يؤدي إلى رفع نسب التسرّب من المدرسة خصوصاً حين يسود اعتقاد لدى الناس بأن لا فائدة من تحصيل العلم ما دامت النتيجة محبطة. هذه الأسباب وغيرها تستوجب تطبيقًا فورياً لمبادرات الوزارة وللمزيد من التعاون بين القطاعين الخاص والرسمي علّ الأخير يستقي العبر من تجربة الأوّل.



أترك تعليق