مشاركة

والواقع أن الأمر لم يتطلب كثيراً حتى أصبح الاقتصاد أكثر اعتماداً عل المعرفة والمعلومات. وقد لعب توزيع المعرفة ونشرها عبر الشبكات، الرسميّةُ و غير الرسميّة، عنصراً رئيسياً في الأداء الاقتصادي إلى جانب العمالة الماهرة، التي باتت من سمات الاقتصاد الجديد. كما أدّت المنظومة العلمية التي تحفل بها المجتمعات المعلوماتية دوراً بالغ الأهمية في الاقتصاد المعرفي بما أتاح زيادة في الاعتماد على القدرات الفكرية منه على المُدْخَلات input و الموارد الطبيعية خاصة بعد انتشار الكمبيوترات الشخصيّة في أواخر خمسينيات القرن الماضي. وقد توسعت المعرفة بفعل الشبكات وظاهرتي البريد الإلكتروني والإنترنت إلى حد ولادة مجتمع معرفي جديد يتصف بالقدرة على إعادة صياغة طبيعة العمل والاقتصاد. وقد باتت بفعل ذلك المعلومات سلعة رئيسة للنشاط الاقتصادي المعرفي إلى حد أن ثلثيّ النموّ الاقتصادي في الولايات المتحدة أصبح يعود إلى اقتصاد المعرفة. وقد تبين على سبيل المثال أنه من أصل 19 مليون وظيفة جديدة أُنشئت خلال السبعينيات، وهي أكبر زيادة في تاريخ الولايات المتحدة عل هذا الصعيد، فإن 11 بالمئة فقط منها يعود إلى قطاع إنتاج البضائع والباقي يعود إلى قطاعيّ المعلومات والمعرفة.

وحذت كل من اليابان وأوروبا الغربية حذو الولايات المتحدة. وأصبح الخلق والابتكار من أهم عناصر اقتصاد المعرفة في العالم الصناعي ولم يعد التحديث والتجديد والاختراع يتطلب إضافات مادية مكلفة. فصناعة السيارات، على سبيل المثال، لم تعد مجرد نتاج معدني يجري تعديله من حين إلى حين وإنما آلة شبه ذكية جرت صياغتها من جديد بالاستعانة بتكنولوجيا الكمبيوتر يضاف إليها برامج عديدة كخرائط السير وعوامل أمان وأداء سلس وانسياب في الشكل ونظافة في الانبعاثات الغازيةن اين منها كلها سيارات الأمس. في الواقع تحولت السيارات إلى متعة فخمة لا صناديق حديد .

يُمثل اقتصاد المعرفة ابتعاداً “ناعماً” شاسعاً عن الماضي وسبيلا متجدداً يعمل في اطار مجموعة جديدة من العناوين. فهو يعمل في كل قطاعات الاقتصاد وليس في الصناعات المركزة معرفيا فحسب. وهو يستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بنسبة عالية فتنشط السوق بالابتكار. هذا الابتكار هو بمثابة دم جديد يضخ في القطاع المعرفي الذي يزداد بدوره تطورا نتيجة استخدام ابتكاراته. كما تعيد مؤسسات اقتصاد السوق تطوير تكنولوجياتها و تعيد تنظيم العمل والأداء. فالمعرفة تزيد من العائدات على الاستثمارات التي بدورها تسهم في تراكم المعرفة عن طريق تحفيز أساليب إنتاج أكثر فعالية جنباً إلى جنب مع منتجات وخدمات أفضل نوعية.

أضف إلى ذلك أن التكنولوجيا تفيض وتندلق من شركة إلى أخرى، ومن صناعة إلى أخرى، متيحة إدخال أفكار جديدة بكلفة أقل. ومن شأن هذه التدفقات الفائضة تخفيف التعقيدات التي تلحق بالنمو بفضل ندرة رأس المال. كما يزيد التغيير التكنولوجي من الإنتاجية النسبية لرأس المال من خلال التعليم والتدريب للقوى العاملة واستثمارات البحث والتطوير وخلق بنى إدارية ومؤسسات أعمال.

المعروف تقليدياً أن النشاط الاقتصادي يركز على العمالة ورأس المال والطاقة أما التكنولوجيا والمعرفة فهما عاملان خارجيان يؤثران في الإنتاج عن بعد. اليوم يجري تطوير مقاربات جديدة تدخل عامل التكنولوجيا بصورة مباشرة في عملية الإنتاج وبحيث يؤدي الاستثمار في المعرفة إلى زيادة القدرة الإنتاجية لباقي عناصر الإنتاج وتحويلها إلى منتجات جديدة. ولما كانت الاستثمارات المعرفية تتصف بعائد متزايد فإنها مفتاح النمو الاقتصادي البعيد الأمد.

والواقع أن اعتبار المعرفة عامل نمو ليس بالشيء الجديد. فقد تحدث آدم سميث عن طبقات جديدة من الأخصائيين المضاربين الذين يسهمون بصورة هامة على صعيد إنتاج معارف مفيدة اقتصاديا. وركز فريدريش ليست على أهمية البنى التحتية والمؤسسات التي تساهم في تطوير قوى الإنتاج عبر خلق المعرفة ونشرها. وتابع الشومبيتريون الجدد أمثال غالبريث وغودوين وهيرشمان المفهوم الذي يعتبر الابتكار عاملا رئيساً من عوامل الدينامية في الاقتصاد.

يمكن تعريف اقتصاد المعرفة بأنه ذلك “النشاط الاقتصادي الذي يُعنى بصورة مباشرة بإنتاج ونشر واستخدام المعرفة والمعلومات بصورة مركزة بما يسهم في تسارع وتيرة التقنية والتقدم العلمي فضلا عن التقادم السريع. وهو يعتمد من أجل ذلك على التشبيك والعمالة الماهرة والمنظومة العلمية التي يملكها المجتمع”. 



أترك تعليق