مشاركة

خريطة طريق لتوفير 4.4 مليار دولار سنوياً

دون الكلام عن فساد وبوليس وحرامية

 

يكتشف الباحث حين يتعمق في دراسة حالات الهدر للطاقات البشرية والموارد الطبيعية أموراً لا تفسر بكلمة فساد. فلنرى الآن مشهد القوى السياسية اللبنانية على تنوعها تتنافس على حقيبة يسموها "سيادية" وأخرى "خدماتية" وأخرى لا أحد يريدها. لو كانت الخدمة العامة شرفاً أو واجباً، لا تسلطاً ومصلحة، لما رأينا هذا المشهد وهذا التصنيف. فنحن على ما نحن عليه، ليس لأننا فاسدون، بل لأننا اخترنا أو أُجبرنا على قبول نظام ونُظم توزيع المقدرات بطريقة تدعم سلطة زعماء البلد وتُضعف بسط سلطة الدولة في الإدارات العامة. فدولة المواطنة غير موجودة.

ولذلك يمكننا القول إن عبارة "مكافحة الفساد" هي عبارة خارجة عن الموضوع، إذ أنها تفترض أن الجسم بخير وأن الفساد هو عارض طارئ تتم مكافحته كما نكافح الذباب، على سبيل المثال، بالمبيدات. لكن الأمر مختلف.

إن ما درجنا على تسميته فساداً هو بالفعل "طريقة عمل" ونظام حياة توافقنا عليها جميعاً. كما علينا أن نميز بين الحالة التي نحن فيها من زعماء وتابعيين وبين كلمة فساد. فالحالة التي نحن عليها في الولادات والوفيات والانتخابات طائفياً ومناطقياً هي نظامنا السياسي. وحين يسطو أو يغتصب مواطن ما أملاكاً أو أموالاً عامة أو خاصة فهو سارق، بينما الفساد هو حين يشارك الشرطي أو القاضي تغطية هذه السرقة. ولذلك من المستحب أن نطرح الأسئلة التالية.

السؤال الأول: هل هناك قرار سياسي وطني يهدف إلى ضبط الهدر والفساد كي لا نقول السرقة؟

السؤال الثاني: هل الزعماء على استعداد لتسليم سلطتهم إلى الإدارات العامة؟

السؤال الثالث: هل سيكف الوزراء عن التأثير السلبي على عمل المدراء العامين؟

السؤال الرابع: هل سيكف مجلس الوزراء عن اتخاذ مراسيم وقرارات تعارض ما جاء من ديوان المحاسبة وإدارة المناقصات ومجلس الخدمة المدنية؟

السؤال الخامس: هل هناك استعداد لإلغاء المراسيم والقرارات التي اتخذت خلافاً للقانون والدستور؟

السؤال السادس: هل هناك استعداد لإلغاء أو تعديل القوانين والمراسيم التي اتخذت لمصلحة أفراد أو شركات معينين؟

السؤال السابع: هل سيرفع الزعماء أياديهم عن القضاء ويقوموا فعلاً بإرساء استقلاليته؟ وهل يعمل القضاة على تعزيز استقلاليتهم؟

السؤال الثامن: هل هناك استعداد لاستحداث قوانين جديدة تعدل قانون الضريبة وقانون الانتخابات وقانون العمل لتحقيق دولة المواطنة أو الدولة المدنية؟

السؤال التاسع: هل هناك استعداد لمعاقبة المرتكبين كائن من كانوا؟

لنفترض أن جميع الإجابات على الأسئلة أعلاه هي نعم. ولندخل في صلب الموضوع:

 

  1. المؤسسات العامة والمستشفيات الحكومية-توفير نحو 400 مليون دولار سنوياً

إذا كانت الفكرة من التشريع لإنشاء المؤسسات العامة أن "تتمتع هذه المؤسسات بالاستقلال المالي والإداري" فإن الواقع ينفي ذلك إذ أن أكثرية هذه المؤسسات عاجزة عن القيام بالمهام الموكلة لها وهي تعتمد على السلفات التي تمنحها الحكومات لها. وتحول بعض هذه المؤسسات إلى ملجأ لمناصري الزعماء السياسيين والذين أُعطوا صلاحيات واسعة لهدر المال العام بشكل قانوني.

فمن مجلس الجنوب إلى مجلس الإنماء والإعمار إلى اللجنة المؤقتة (منذ 1994) لإدارة مرفأ بيروت، إلى صندوق المركزي للمهجرين، إلى مصالح المياه، وأوجيرو .... نكتشف أبواباً من الهدر هائلة وكلفة هذه المؤسسات لا تقل عن 2,000 مليار ليرة سنوياً (1.35 مليار دولار). ومن الممكن توفير نحو 400 مليون دولار دون طول عناء، لو تم إلغاء أو دمج هذه المؤسسات أو ربطها بالوزارات ذات الصلة.

       

       2.  استيراد النفط ومشتقاته: توفير 500 مليون دولار سنوياً

  • تخلت الدولة عن مهمتها باستيراد المشتقات النفطية منذ العام 1994 وبشكل غير قانوني تركت الباب مفتوحاً أمام شركات معينة (ونستطيع أن نقول شركة واحدة) في شبه احتكار للسوق وتحت ذرائع الاستيراد من الجزائر ومن الكويت. وقد تصل الفاتورة التي سددها الناس إلى هؤلاء نحو 5 مليارات دولار سنوياً أو ما مجموعه نحو 120 مليار دولار خلال 24 عاماً. طبعاً الأسعار تختلف وفقاً لسعر النفط وكذلك لأحجام الاستهلاك.

                                                                                                                                                     

إن المستفيد الأكبر من هذه الصفقة المشبوهة والتي تتوزع غنائمها على أغلبية الزعماء السياسيين هي شركة واحدة. ولقد تم مؤخراً إدخال شركة أخرى معها كانت تعلن أنها على استعداد لتخفيض الفاتورة بنحو 30%، طبعاً لم يحدث شيء من هذا. ونستطيع أن نستنتج أنه بالإمكان توفير نحو 500 مليون دولار على الأقل سنوياً. بل بالإمكان تحقيق وفراً أكبر لو طبق القانون.

 

  • كهرباء زحلة ليست نموذجاً: 35 مليون دولار سنوياً

نسمع الروايات عن النجاح الباهر للحائز على امتياز كهرباء زحلة وتشاد له القصائد. لكن معظم الناس لا يدرون أن هذا الاحتكار مُوّل من أموالهم وأن الدولة دعمته مما أعطى الفرصة للمحتكر بالتوسع وتحقيق أرباحاً سنوية تبلغ 35 مليون دولار سنوياً دون دفع الضريبة الحقيقية.

 

ت-استباحة الأملاك العامة: زيادة 130 مليون دولار سنوياً

إن القانون الذي أُقر مؤخراً لفرض غرامات على الإشغالات البحرية غير المرخصة قانوناً لا يحقق مصلحة الدولة بل يعطي نوعاً من الشرعية إلى المعتدين على هذه الأملاك مقابل مبالغ مالية لا تزال زهيدة بالرغم من رفعها عما كانت في السابق. فمن المقدر أن تحقق عائدات بنحو 40 مليار ليرة سنوياً في حين أنه يجب "أن تقل العائدات عن 200 مليار ليرة" (130 مليون دولار)، هذا إذا افترضنا أنه يجوز إبقاء هذه التعديات بدلاً من إزالتها كلياً. ولا تزال الأملاك العامة النهرية والبرية دون أي غرامات. وتستمر الحكومات بوهب أراض تملكها لجهات خاصة تستفيد منها بمبالغ مالية كبيرة. وعلى سبيل المثال لا الحصر:

  • مشروع زيتونة باي
  • نادي الغولف
  • الشركة اللبنانية للمواصلات
  • مغارة جعيتا
  • استراحتي صيدا وصور
  • قصر المير أمين

 

ث-الكسارات والمقالع: توفير مئات ملايين الدولارات سنوياً

يستمر العديد من الأفراد والشركات باستباحة جبال ووديان لبنان بموجب تراخيص مؤقتة وقرارات صادرة عن قائماقمين أو محافظين أو وزراء أو بغض نظر من شرطي في المغفر. القوانين واضحة في هذا المجال إن كان من ناحية أصول منح التراخيص أو إعادة تأهيل المواقع ولكن الغطاء السياسي يمنع تطبيقها. إن الخسائر التي سببتها هذه التعديات سواء في الطبيعة أو في البشر أو في مالية الدولة تصل إلى مئات ملايين الدولارات.

 

جـ -شركات الإسمنت: توفير 100 مليون دولار سنوياً

تحتكر هذه الشركات السوق المحلي في ظل حماية رسمية حكومية تمنع استيراد الإسمنت في الوقت الذي يسمح لهذه الشركات بتصدير منتجاتها، عند وجود فائض لديها، بأسعار أدنى من تلك التي تبيع بها في السوق المحلية وتسبب هذه الشركات الكثير من الأذى للبيئة ولصحة الناس وتعمل مقالعها منذ عشرات السنوات دون رخص صحيحة بل بإجازات مؤقتة. ولم تقم أي من هذه الشركات بتأهيل المقالع التي عملت وتعمل فيها. وبحسبة بسيطة يمكننا أن نوفر على الناس نحو 100 مليون دولار سنوياً هذا دون احتساب الكلفة الباهظة على البيئة وصحة الناس.

 

ح-الأبنية الحكومية: توفير 50 مليون دولار سنوياً

تنفق الدولة نحو 150 مليون دولار سنوياً لإيجار الأبنية الحكومية، بعضها لا تحتاج إليها، لكنها تستمر بعقود الإيجار لإفادة الجهة المالكة. ولقد تبين أن إيجار نحو 3 سنوات يكفي لتشييد أبنية تفي بالغرض.

واللافت أن الحكومات المتعاقبة تعمد إلى إخلاء مبان حكومية أو مدارس بحجة عدم الحاجة إليها أو ارتفاع كلفة صيانتها وذلك دون المطالبة بالتعويض لإخلاء المأجور بالرغم من أن إيجاراتها زهيدة (عقود قديمة) لتعود وتستأجر مبان جديدة بأسعار أعلى، ودائماً تحت حجة الضرورات. ومن السهل جداً توفير 50 مليون دولار إلى أن يتم تشييد أبنية جديدة.

 

خ-الطرقات: توفير 400 مليون دولار سنوياً

أكثر من مليار دولار تصرف سنوياً لإنشاء وتأهيل وصيانة الطرقات لمتعهدين هم أنفسهم يحتكرون العقود منذ عشرات السنين. إن حالة معظم الطرقات يرثى لها وغير صالحة للسير. وإن توفير نحو 400 مليون دولار سنوياً ليس مستحيلاً.

 

د-المعاينة الميكانيكية: توفير عشرات ملايين الدولارات سنوياً

انتهى عقد إنشاء تشغيل مراكز المعاينة الميكانيكية في العام 2012، الدولة لم تسترد المراكز، والمشغل لا يزال يعمل بانتظار من سترسو عليه الصفقة ضمن سلة المحاصصات. إن إمكانية توفير عشرات ملايين الدولارات على الدولة إذا كانت المناقصات شفافة أو إذا أدارت الدولة هذا النشاط.

 

ذ –الخليوي: توفير 100 مليون دولار سنوياً

استردت الدولة قطاع الخليوي منذ العام 2002 لكنها لم تعمد إلى تشغيله وإدارته مباشرة بل عمدت إلى تلزيم الإدارة إلى شركتين لا نعرف وفق أية كلفة وإلى متى تبقى الدولة عاجزة عن إدارة هذا القطاع؟! ومن الممكن تحقيق وفر قد يصل إلى 100 مليون دولار لو أُحسنت إدارة هذا القطاع.

 

  • الدين العام وأرباح المصارف: توفير 660 مليون دولار سنوياً

يرتفع الدين العام بشكل كبير فهو سوف يلامس عتبة 100 مليار دولار في السنوات القادمة وسوف تكلف خدمته أكثر من 10 آلاف مليار ليرة سنوياً. المستفيد هي المصارف التي تحقق أرباحاً تناهز 2 مليار دولار، أليس من العدل والحكمة خفض الفائدة توفيراً لخدمة الدين العام وزيادة الضريبة على أرباح المصارف؟ إن تخفيض نقطة واحدة في الفائدة التي تتحملها الدولة ستوفر نحو 660 مليون دولار.

وتطول اللائحة إلى أن تصل إلى موضوعي الكهرباء والتوظيفات في القطاع العام:

 

  • الكهرباء: توفير 2 مليار دولار سنوياً

أنفقت الدولة منذ العام 1992 أكثر من 30 مليار دولار لمشاريع تأهيل الكهرباء وتوفير الفيول لتشغيل المعامل ولكن الكهرباء 24/24 لا تزال حلماً بعيد المنال.

إن عجز الحكومات المتعاقبة منذ 1992 وحتى الآن عن معالجة موضوع الكهرباء هو مثال نموذجي لطبيعة النظام اللبنانية.

لقد تقبلت أو ساهمت معظم القوى السياسية بخسارة سنوية كان من الممكن وبسهولة تفاديها. ويعجز الباحث أو الإنسان العادي عن استيعاب قدرة هذه القوى السياسية على الاستمرار في الحكم رغم مسؤوليتها عملياً عن إحراق 30 مليار دولار باستهتار كامل. إن اتخاذ القرار بإنشاء المحطات وتشغيل المحطات القائمة الآن على الغاز ورفع تعرفة الكيلووات تحتاج لقرار سياسي يوفر 2 مليار دولار سنوياً.

  • التوظيف في القطاع العام

قامت الحكومات المتعاقبة زعماء وتابعون لا مواطنون ومواطنات بتعطيل أو تهميش دور مجلس الخدمة المدنية. ورغم القرار بوقف التوظيف في القطاع العام لجأ الوزراء إلى التعاقد المؤقت، والذي أصبح دائماً، فارتفعت أعداد الموظفين في القوى العسكرية وفي وزارة التربية وغيرها من الإدارات. إن هذا يساهم بالحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة ويدعم في الوقت ذاته زعامة السياسيين.

وقد وصلت كلفة الموظفين في القطاع العام دون المتقاعدين إلى 6.5 مليار دولار سنوياً أما كلفة المتقاعدين فهي نحو 2 مليار دولار. إن تراكم 8.5 مليار دولار سنوياً كتعويضات ورواتب في القطاع العام هو عبء تعجز عنه دول اقتصادها أقوى بأضعاف أضعاف لبنان.

ولقد عكست نتائج الانتخابات النيابية في هذا العام مدى ارتباط المقترعين بالقوى السياسية التي بدون دعمها لا يستطيع المواطنون والمواطنات الدخول إلى الوظيفة في القطاع العام أو الترقية فيها.

إن الكلام عن "مكافحة الفساد" يوحي لنا أن المشكلة هي في موظف الجمارك أو الشرطة وكافة صغار الموظفين في القطاع العام، بينما أساس الموضوع هو النظام الذي نحن فيه والذي لا يمكنه الاستمرار دون السطو على الدولة من قبل الزعامات ومنظوماتها. لقد حان الوقت لأن يرفع الزعماء وأتباعهم أياديهم عما هو عام ويبرهنوا أنهم فعلاً يريدون بناء الدولة.

ولكي يتحقق هذا يتوجب العمل على تغيير النظام السياسي والاقتصادي في الضريبة وفي الانتخابات وفي القضاء وفي الحقوق المدنية، لا مجرد الكلام عن "مكافحة الفساد".

 

جواد نديم عدره

 

 



2 تعليقات

أترك تعليق