مشاركة

وداعاً أم فداء

غريبة هذه الحياة فهي تأبى إلا أن تذكّرك بالزمن الجميل حتى وهي تعصف بك بوجوه جديدة وآليات جديدة وأدوات جديدة وعادات جديدة وزمن ليس لكَ ولستَ لهُ.

تراهم ثابتون "فما بدلوا تبديلاً"، ولا أسكَرَتْهم المناصب حين كانت ولا أضعفَتْهم حين زالت ولا تشفّوا حين عادت.

حالات الدنيا عليكِ شتى             وحالكِ واحدٌ في كلِّ حال

لنشكل هذا البيت بكسرة التأنيث لسيدة لا كالسيدات: سهيلة محمود جديد- أم فداء وغيث ووفاء ورجاء، وزوجة غسان جديد الذي إحتل الثكنة العسكرية الفرنسية في العام 1945 في تل كلخ، ثم ساهم في تأسيس الكلية الحربية في سوريا في العام 1948 وقاد عمليات التدريب فيها. ومع جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي محارباً في مرتفعات العموقة في فلسطين ومن طبريا إلى صفد إلى حيفا مقاتلاً عصابات الإستيطان، ورئيساً للجنة الوفد الشامي في لجنة الهدنة المشتركة ومستشاراً عسكرياً لدى الوفد السوري في الأمم المتحدة وقائداً في الحزب السوري القومي الاجتماعي حتى إغتياله في بيروت في العام 1957.

أم فداء أشعرتنا جميعاً، بإبتسامتها الهادئة ورحابة صدرها، أن الدنيا بخير، خاصة عندما لم تكن كذلك. من دوير بعبدا، القرية الصغيرة في محافظة اللاذقية مشت أم فداء مع رفيق عمرها غسان إلى حمص وحماه وحلب وفلسطين فرسمت مواقف وأحلام وآلام. ومن دمشق إلى الطيونة في بيروت إلى ضهور الشوير وديك المحدي عَمِلا جاهدين ومشردين، ليس فقط للشعبِ الواحد في لبنان وسوريا، بل "لأجياله التي لم تولد بعد". عائلة غسان جديد وعائلة فؤاد جديد دفعا ثمن الحلم بأمة موحدة. عشرة أشخاص عاشوا في منزل صغير فلا شكوا ولا تذمروا.

وفي الحرب الأهلية جاءت موجات التهجير فغادرت أم فداء ديك المحدي إلى اللاذقية لتعود مؤخراً إلى "الديك" في زيارة أخيرة قبل أن تغادرها إلى مثواها الأخير في "الدوير".

سهيلة محمود جديد جاهدت وعملت في سبيل عائلة فقدت كل شيء ولأجل قضية ساوت الوجود. في تلك الأيام لم يكن المال محطّ إهتمام القادة. كانوا ينتمون لحزبهم ليعطوا لا ليأخذوا، وكان الإحترام لهم كبيراً خاصة لأن الجاه والمال والسلطة لم تكن غايتهم. لا بل هناك من يتذكر ويذكر جيداً كيف تنازلت أم فداء إلى الحزب عن كامل المبلغ الذي تركه لها غسان جديد لتبدأ العمل جاهدة من الصفر.

أحلام كبيرة تبدو مستحيلة اليوم، لكنها كانت ولا تزال ممكنة لكل من عرف أم فداء وغيث ووفاء ورجاء.

أم فداء لم تقل كلمة واحدة لأحفادها عن معاناتها وعن جَدّهِم غسان فالألم بلغ عندها ذروة الصمت.

نفتقد اليوم ذلك الهدوء وتلك النفس الطيبة وذلك اليقين أن الأمور ستكون بخير، وإذ بفداء يأتي ليذكّرك أن كل هذا ممكن. وكأنّ هذه العائلة تردّد مع كمال خير بك:

يا سيف اليقظة ها عنقي                ... لا ترحم ذاكرتي             وتجاهل غصة أشيائي...

عذراً أم فداء لأني لم أكن معك ومعكم جميعاً في دوير بعبدا في 9 أيار 2018، عذراً أعلم أنك تقبليه وتتفهمين الظروف القسرية في هذه البلاد التي حالت دون الحضور. ولعلّي أسمعك تردّدين مع محمود درويش (كما يردّد صديقٌ لي) "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

 

وداعاً أم فداء، 

جـــواد نديــم عـــــدره



أترك تعليق