مشاركة

قام لبنان في العام 2004 بتنفيذ عقوبة الإعدام بحق 3 أشخاص لارتكابهم جرائم قتل، فاعترضت مؤسسات عديدة وكذلك منظمة الاتحاد الأوروبي. ومنذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا لم تنفَّذ أي عقوبة إعدام بحق أحد، لكن إثر عدة جرائم قتل عادت الأحداث تنادي بتفعيل هذه العقوبة. كتب هذا المقال في شهر شباط 2004 ونشر في العدد الخامس من «الشهرية»، ونعاود نشره لأنه يظهر مدى سريالية النظام الطائفي في لبنان. 

ابتسم بمرارة وهو يقرأ عن اعتراض الاتحاد الأوروبي على تطبيق عقوبة الإعدام في لبنان، وعن معطيات وحجج كل من الفريق المؤيد للعقوبة والمعارض لها.

والتفت إلى زميله مؤكداً أن عقوبة الإعدام في لبنان لن تستمر، ولأسباب لا علاقة لها بالحوار القائم، ولا بالفلسفة أو الدين أو معاني الحق والخير والجمال، بل لأن نظام الطوائف في لبنان لا يمكنه تحمل أية عملية حاسمة إلا حين يُهدد باستمراريته ثم أكمل مداخلته وربط أسبابه تلك بالرياضيات أيضاً.

الرياضيات!! أجاب الزميل مستغرباً وما علاقتها بهذا الموضوع؟ وجاء الرد أن في لبنان ستة طوائف رئيسية وثمانية عشر طائفة بالإجمال. ولأن لبنان - الطوائف القائم على «النسبة والتناسب» في شتى أمور الدولة لا يمكنه إخراج عقوبة الإعدام من هذه المعادلة، فلا بد لأن يكون في كل مذهب مجرم ما يرتكب جريمة قتل ما في أوقات منسقة، وأن تصدر الأحكام عليهم جميعاً وتنفذ في أوقات منسقة أيضاً، وهذه استحالة في عالم الرياضيات وفي علم الإحصاء والاحتمالات.

وهكذا سيقوم لبنان- الطوائف بإعفاء اللبنانيين، ككل مرة، من إجراء أي حوار عميق يسبر غور مشاكلهم ويعبر عن طموحاتهم. فلا حوار حول الحرب الأهلية ومسبِّباتها، ولا حوار حول ما درجوا على تسميته «مسيرة الإنماء والإعمار»، ولا حول الجامعة اللبنانية، ولا حول الاستشفاء، ولا حول قانون الانتخاب، لأن لدى لبنان- الطوائف الحلول الجاهزة، وله الكلمة الفصل.

أما في موضوع عقوبة الإعدام (موضوع الساعة)، فلا حاجة للعودة إلى حمورابي والمسيح ومحمد وبودا وغاندي وغيرهم، ولا للدراسات والشِرَعْ المرتبطة بهذا الموضوع، فلبنان-الطوائف والعشائر سيقوم بالمهمة ويحسم الحوار، كما يفعل دائماً في جميع الأمور الأساسية. وهكذا ترتع الطوائف في لبنان، ولا خيار لنا إلا إعدام لبنان-الطوائف أو انتحار الرياضيات.



أترك تعليق