مشاركة

نستغرب ردة فعل الناس في لبنان على ما يجري في بلدهم على كافة المستويات إقتصادياً، سياسياً، تربوياً، صحياً وبيئياً. يستطيع الباحث أن يستوعب قبولهم، بعد حرب طويلة، بأن يعوّد الزعماء ذاتهم لإدارة شؤون البلاد. فقد أنهكتهم الحرب ويريدون الفرج. ولكن كيف نفسر قبولهم بقانون العفو عن جرائم الحرب الأهلية وإقتراعهم المتواصل للزعماء نفسهم الذين يشتمونهم أحياناً في السرّ وحيناً في العلن؟ كيف نفسر سكوتهم عن طبخات لقانون إنتخاب يتداول الزعماء حوله علناً عن حصصهم ومناطقهم وطوائفهم؟

كيف نفسر انتقاد الاحزاب العلمانية لمشاريع قوانين انتخاب طائفية في الوقت الذي سكتت فيه هذه الأحزاب، بل شاركت بالسلطة على أساس طائفي، فلم تدعم قانون انتخابات على أساس غير طائفي في وقت كانت الفرصة فيه مؤاتية؟

كيف نفسر قبول الناس بهجرة أبنائهم بل فرحتهم وإفتخارهم بذلك؟

كيف نفسر قبول الناس بدفع اقساط جامعية ومدرسية باهظة في الوقت الذي تتدمر الجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي ذات الاقساط الرمزية؟

كيف نفسر قبول الناس بالسطو على الأملاك العامة والمال العام عبر تحالف معلن ومعروف بين المتنفذين في المال والسياسة؟

العالم تغير فالأحزاب لم تعد كما كانت ولا ادواتها تطورت. الناس أصبحوا يستهلكون التفاهات ولكن هذا لا يفسر سكوت اللبنانيين بل تأييدهم لما يمارس بهم وعليهم. هناك أسباب جوهرية تبرر سلوك الناس بل تقول لك أن هذا السلوك هو منطقي وعملاني، فكيف؟

لقمة العيش

يصل عدد العسكريين وموظفي ومتقاعدي القطاع العام الى نحو 400 الف فرد. توظف معظم هؤلاء في هذا القطاع عبر القوى السياسية الفاعلة، كما يصل عدد العاملين الذين يتقاضون رواتب شهرية بشكل مباشر من القوى السياسية نحو 250 ألف فرد. هؤلاء هم متفرغون من عائلات شهداء و ناشطين في مجال ما.

أضف الى ذلك العاملين في القطاع الخاص وعددهم تقريباً 800 ألف فرد.

تستحوذ القوى السياسية على نسبة تقارب 20% من هؤلاء العاملين في مؤسسات إعلامية، تربوية وصحية ومصارف وشركات وجمعيات تابعة بشكل مباشر لهذه القوى أي نحو 150 ألف فرد.

وهنا باب القصيد 400 ألف في القطاع العام + 250 الف متفرغ مع القوى السياسية+ 150 ألف في القطاع الخاص مرتبط بالقوى السياسية = 800 ألف فرد. أي أن نحو 800 ألف *4 (معدل أفراد الاسرة) = 3,200,000 مواطن ومواطنة يعتمدون في  لقمة عيشهم على الزعماء. وتتوضح الفكرة عندما نعلم أن عدد المقيمين اللبنانيين في لبنان لا يتجاوز 4 مليون فرد أي أن مصير 80% من اللبنانيين مرتبط بلقمة عيشه وبمصيره بهؤلاء الزعماء.

الانا القاتلة والمعادلة الواقعية

يتلفت هؤلاء الناس حولهم فيقولون ما مصلحتي في التغيير؟ إن المصير مع الزعماء واضح والمعادلة هي:

راتب شهري + واسطة + مساعدات + ذل.

أما على الطرف الآخر: لا راتب + لا واسطة + لا مساعدة + سجن وعود + حلم قد لا يتحقق.

وهنا يأتي الخيار بعد هذه المعادلة الواقعية: البقاء مع الزعماء والحفاظ على الامر الواقع أفضل من المجهول.

إن الدعاة إلى التغيير أو الثورة أو إلى كسر النظام القائم أو اختراقه لم يرقوا الى درجة تطمئن المواطن أن المخاطرة معهم حظها وافر.

فأمثالنا لا يجتمعون على رأي ولا يتنازلون لبعضهم في وقت يطالبون فيه الزعامات بالتنازل. أمثالنا لا يوحون بالثقة لبعضهم فكيف للناس؟

ألهذه الأسباب لا تثورون؟

هنا المأزق فكيف نتجه؟

 



أترك تعليق