مشاركة

نحن اليوم في أوائل القرن السابع عشر وها هو الأمير فخر الدين المعني الثاني "الكبير" "سلطان البحر"، "وأمير كامل جبل لبنان" قاهر طرابلس وجبيل والكورة، حاكم المتن وكسروان والشوف زارع الرعب (لا الصنوبر) في قلوب الناس الذين شكروه لأنه أبقى رؤوسهم ووافقوا على "حكمته" في قطع رؤوس أهلهم، يكتب إلى الغراندوق  Grand Duce في توسكانة في محاولة للحصول على حمايته بوجه الوالي العثماني معلناً أنه مسيحي بالسر وعلى استعداد لأن يُعلن نصرانيته، مذيِّلاً خطابه:

“أولادنا بيبوسوا  أيديكم وأرجلكم”. ويكتب أيضاً إلى زوجة الغراندوق:

“أنا وبلادي ورعاياي تحت تصرف سموكِ وبانتظار أوامركِ لتلبيتها أرجو أن تعيِّني هنا قنصلاً يشرف على تصدير محصولات بلادي إلى توسكانة واستيراد البضائع من بلادكِ،  وذيَّل خطابه:

“ خادم سموكِ أمير صيدا وكافة جبل لبنان”

 ترى ماذا يقول موفد الغراندوق عن فخر الدين؟

“ومع أنه ظالم يسلب رعاياه ما جمعوه بعناء تراه محبوباً منهم لأنه يوفر لجنوده الفرص للكسب والسلب، وهو مهاب.. لكنه قاسٍ دنيء صبور على والشدائد”.

ولننتقل إلى القرن الثامن عشر حيث يجلس الأمير بشير الشهابي “الكبير” و“سلطان البر” أيضاً وأيضاً في قصره في بيت الدين داباً الرعب في أهل الجبل مُرسلاً سعيد حماده ليقطع رأساً في دير القمر وآخر ربما في جون. وهكذا “يعمِّم عدالته” ليس في سمل أعين أولاد أخيه الأطفال فقط بل في زرع الرعب في أرجاء الجبل. وها هو يرسل ابنه أمين إلى محمد علي حاكم مصر قائلاً له أنّ والده معه، ويرسل ابنه الآخر خليل إلى والي صيدا العثماني قائلاً أنّ والده معه، لينتهي مقبِّلاً يد أحد مقبلي أيادي السلطان العثماني في الباب العالي دون أن يحظى بولوج ديوان السلطان الذي كان يحلم طوال عمره بتقبيل يديه. كان درزياً مع الدروز، مسيحياً مع المسيحيين ومحمدياً مع المحمديين. وكان يعمل على تأليبهم ضد بعضهم البعض.

ترى ماذا قال عنه أصدقاؤه الفرنسيون؟

“يجب أن تقال الحقيقة كاملةً... فطغيان الأمير بشير (فاق كل تعبير)... فقد أراني بعضهم (في معلقة الدامور والشويفات) منازلهم نصف المحروقة وديرهم المخرَّب وقالوا لي أنّ نساءهم وبناتهم قد انتهكت حرماتهن...” هكذا روى جوانان، ترجمان القنصلية الفرنسية عنه.

ثم نصل إلى بدايات القرن العشرين حين وقف زعماء جبل لبنان والأقضية التي ضُمَّت إليه على باب جمال باشا معلنين الولاء ومقسمين أغلظ الإيمان أنهم مع الخليفة العثماني، متهافتين على ألقاب “البيك” و“الأفندي” و“الآغا” و“الشيخ”، وعلى تقاسم مغانم وأراضٍ يوزِّعها عليهم.

ترى ماذا قال جمال باشا عنهم؟

“كنت أجعل لهم حيثية” يقول جمال باشا الذي أغدقوا عليه لقب “السفاح” بعد أن أفل نجمه نتيجة خسارة تركيا الحرب العالمية الأولى. “ما كنت أظن أنهم سيصلون إلى هذا الدرك من السفالة”. يذكرهم واحداً واحداً في مذكراته. هؤلاء ورثوا “الزعامة”  ليس في لبنان فقط بل في معظم أرجاء العالم العربي. معظمهم كان “يراسل” جمال باشا والقنصل الفرنسي أو البريطاني في الوقت ذاته.

ولندخل إلى أيام “الإستقلال الأول” في عام 1943 وفقاً لسبيرز:

 يروي كيف سقط خليل الخوري ابن الرئيس بشارة الخوري فوق الشبكة التي تحمي الجنرال سبيرز من البرغش المؤذي في صنوبر بيروت ولكن “المسكين أكبر من برغشة طبعاً” (كما يقول سبيرز) جاء مستنجداً به لإنقاذ والده من الفرنسيين إذ نصَّبه الإنكليز “الرئيس الإستقلالي” على لبنان راسمين نهاية إميل إده الذي وضع بيضاته (فعلياً) في سلة الفرنسيين.

ترى ماذا يقول البطريرك عريضة عن نفسه؟

عزيزي البروفسور وايزمان، لقد خولنا ولدنا، الشيخ ... بأن يعقد معكم الإتفاقات المقيَّدة لصالح بلادكم وبلادنا وهو مخوّل أيضاً من قبلنا بأن يتسلم منكم أي مبلغٍ في الحال”

البطريرك الماروني لأنطاكية وسائر أنحاء المشرق أنطوان بيار عريضة 1946

ولنكمل الطريق إلى كميل شمعون “فتى العروبة الأغر” الذي جاء به الإنكليز والأميركان، إلى “الأمير الجنرال” فؤاد شهاب الذي جاء به عبد الناصر وايزنهاور عبوراً بشارل حلو وسليمان فرنجيه وإلى آخر المعزوفة حتى يومنا هذا.

وماذا عن مرحلة عنجر وزوارها،  وما قيل ويقال عنهم؟

ولندخل إلى انتخابات 2009 حين صوَّتنا لهم جميعاً كلنا وحتى “الثلث الضائع” والمتواجد في كل الطوائف اختفى وذاب. وهكذا جاءت الإنتخابات لتؤكِّد أنها ليست انتخابات بل عملية خطف طويلة مستمرة منذ القرن السابع عشر وحتى يومنا هذا.

ترى ماذا يقولون اليوم عن أنفسهم؟

والسؤال برسم اللبنانيين المقترعين لزعمائهم وبرسم هؤلاء الزعماء أيضاً: إذا كان طموح الأمير فخر الدين “سلطان البحر” أمير كامل جبل لبنان أن يعيَّن قنصلاً لدى توسكانة، وإذا كان طموح بشير الشهابي الكبير “أمير الجبل والبر” أن يقبِّل يد من قبَّل يد الخليفة العثماني (ربما) وهو لم يحظَ بذلك وفقاً لما أورده مرافقه رستم باز، وإذا كان طموح عوائل لبنان والشام الوقوف على باب جمال باشا، ترى ما هو طموح زعماء لبنان وبشكلٍ خاص من وقف أمام عنجر وعوكر، والذين جُدِّد لهم اليوم؟

المسألة إذاً بسيطة، هم رهائن لدى الخارج ونحن رهائن لديهم وتتنازعـ “نا” معـ“هم” عوامل الرعب والأمن. وقد أتقنوا لعبة الترغيب والترهيب فإذا بـ“السني” يخاف “الشيعي” و“الشيعي” يخاف “السني” و“المسيحي” يخاف أو يغرم بالإثنين و“الدرزي” حدِّث ولا حرج.

منذ القرن السابع عشر وحتى القرن العشرين “وزعماؤنا”، يقهرون الناس ويذلّون ذواتهم آخذين شعبهم رهينة جاعلين أنفسهم رهائنَ لدى الخارج متنقلين بنا من حربٍ أهليةٍ إلى حربٍ أهلية.

والحقيقة أنّ فخر الدين المعني وبشير الشهابي لم يدَّعيا أنهما “بناة وطن” ولم يذكرا في أي مكان أنّ همَّهما استقلال “بلدهما” أو رخاء “شعبهما”. فلم يكن لهما وطنٌ ولا شعبٌ بل شغفٌ بالسلطة. كانا صادقين في توقهما إلى السلطة ولما فقدا الحماية استسلما للموت وكأنه تحصيل حاصل. لا إدعاء ولا وهمَ ولا شهادة ولا قداسة. ما أعظمهما حين نقارنهما بزعماء اليوم، أصحاب الشعارات ومدّعي الوطنية.

اليوم يربِّحوننا جميلة أنهم متزعمون علينا.

رهائن انتخبهم مئات الآلاف من الرهائن. رهائن الرعب والرغبة، رهائن المال ورهائن الوظيفة. ولا عجب إذا كانوا محبوبين ومهابين. فوفقاً للأبحاث حول “عوارض ستوكهولم”، فإنّ الرهينة تُغرم بخاطفيها واستطراداً وفقاً للأبحاث حول “عامل فلورنس نايتنغال” فإنّ الممرضة تُغرم بمريضها وحتى يقال تتولد لديهما رغبات ورغبات، وتتنازعهما حالات وحالات. وهذه هي قصة “انتخابات” لبنان لعام 2009 وكل الأعوام.

“زعماء” مخطوفون للخارج وخاطفون لنا. رهائنُ نحن ننتخب رهائن.

 

جواد نديم عدره

 



أترك تعليق