مشاركة
 وصل بنا القطار إلى المحطّة الرئيسية الهائلة المخيفة في نيويورك. أُصبت بدوار، وشعرتُ بشيء من الخوف. جماهير الناس في تحرّك سريع. ليس في رأس المتن ولا في بيروت شيء من هذا. ما العمل؟ حقيبتان! أنصح كل مسافر ألّا يحمل معه أكثر من حقيبة يد. ووقفت حائرًا في أمري. ورأيت شابّاً يقرأ الجريدة، فتوسّمت في وجهه خيرًا . تقدّمت وقلت له: هل لك أن تكون في عوني، فتدلّني على طريق الخروج؟ فوقف تأدّباً، وقال: بكلّ سرور. قلت: غريب، لا أعرف أين أذهب. قال: إذا كنت طالباً، فليس لديك سوى أن تذهب إلى جمعيّة الشّبان المسيحيّة. وهذه الجمعية تعنى بالطلبة الغرباء. تنام هناك، والأجر بسيط جدًّا: دولار واحد. وهم يتدبّرون أمرك. والتفت إلى ساعته وقال: لديّ ربع ساعة. مستعدٌّ أن أساعدك، وأصرّ على أن يحمل حقيبة، وخرجنا من ذلك الجحيم. وقال: المكان ليس ببعيد. وهداني إلى الطريق. شكرته، وسرت إلى الفندق وأنا تعب خائر القوى. 

في أميركا، كما في كلّ بلد متحضّر أناس “أوادم”. استقبلني شاب عند المدخل، ورحّب بي، وهداني إلى غرفة. حمدت الله.
وصباحاً، سألت الفتاة الجالسة إلى منضدة الاستعلامات: كيف الوصول إلى شيكاغو؟
-أتريد أن تسافر في القطار، أم في سيّارة؟ القطار أسرع وأفضل راحةً. أما السفر بالسيارة ، فأرخص نفقةً، فضلاً عن أنّها سفرة ممتعة لرجل غريب مثلك. ترى أميركا. 
قلت: في السيّارة.
-إذن الأمر يسيرٌ جدًا. تمرّ السيارة الكبيرة من أمام الفندق هذا في التاسعة صباحاً، وتستطيع أن تشتري التذكرة من هنا. ثمنها عشرون دولارًا.
ودفعت ثمن التذكرة، وأفطرت، وانتظرت السيّارة.

وصلت السيّارة بنا إلى محطّة شيكاغو في أوائل الليل. ولا تختلف هذه المحطّة عن محطّة نيويورك. ما العمل؟ وإلى أين أذهب؟ وأين الجامعة؟ تقدّمت من رجل متقدّم في العمر، توسّمت في وجهه خيراً، وقلت: غريب لا يدري ما يصنع. قال بعد أن أخبرته خبري: يا شاطر، مرّت السيارة بك في أرض الجامعة، والآن أنت على بعد 12 ميلاً عنها. عليك أن ترجع الآن إلى الوراء. 


أترك تعليق